دحام الجفران العنزي
ما يبدو في هذه الأيام هدنةً بين الولايات المتحدة وإيران ليس سلاماً، ولا حتى تسوية مكتملة ولا تفاهماً نتيجة مفاوضات سابقة. إنه أقرب إلى إستراتيجية مقاتلين يعرف كل طرف منهما أن الجولة الثانية قد تكون أكثر قسوة.
إنتهت في السابع عشر من أغسطس المهلة المحددة بستين يوماً للتوصل إلى اتفاق من دون حل نهائي، بينما تتزايد التهديدات بشأن مضيق هرمز ويتباطأ المرور فيه بصورة مقلقة، ولذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد هل تنتهي الحرب؟ بل متى تبدأ مرحلتها الأكثر خطورة، وما الذي تريد واشنطن وطهران انتزاعه من هذه اللحظة؟.
الحرب في تقديري لاتختزل في البرنامج النووي الإيراني أو برنامج الصواريخ الباليستي أو في تحجيم نفوذ طهران. هناك طبقة أعمق تتصل بالطاقة والاقتصاد العالمي. مضيق هرمز يمر عبره نحو خمسة عشر مليون برميل يومياً من النفط الخام في 2025 وكانت نسبة كبيرة من هذه التدفقات تتجه نحو آسيا فيما استحوذت الصين والهند معاً على 44 % منها، وهذا يعني أن اي اضطراب طويل في الخليج لا يضغط على إيران وحدها بل يضع كلفة إضافية على اقتصاد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم ويعيد تشكيل حسابات النمو والطاقة وسلاسل الإمداد.
ليس من الضروري أن تكون إعاقة الصين هدفاً معلناً للحرب حتى تكون إحدى نتائجها الإستراتيجية الأكثر أهمية. من هنا يصبح الخليج نفسه جزءا منّ المعادلة.
السعودية لا تريد حرباً تستنزف المنطقة في الوقت الذي تبني فيه اقتصاداً جديداً. مشروع رؤية 2030 ليس مجرد برنامج اقتصادي بل محاولة تاريخية لتحويل المملكة إلى مركز عالمي للاستثمار والسياحة والخدمات والصناعة والتقنية.
عندما تحدث الأمير محمد بن سلمان عن شرق أوسط جديد يمكن أن يصبح أوروبا الجديدة كان يتحدث عن طموح يتطلب الإستقرار وحرية التجارة وتدفق رأس المال وربط المنطقة بشبكات العالم لا عن شرق أوسط يعيش على إيقاع الصواريخ والمسيرات. لذلك كان موقف دول الخليج والسعودية بالذات أكثر ذكاء مما يبدو في الوهلة الأولى.
لم تدخل العواصم الخليجية الحرب بإعتبارها حربها ولم تمنح واشنطن شيكا مفتوحا لاستخدام أراضيها وقواعدها في التصعيد فالخبرة تقول ان أميركا قد تعلن في لحظة ما أنها حققت الأهداف الإستراتيجية ثم تنتقل سريعا إلى المرحلة الأكثر ربحاً وهي بيع السلاح للطرفين وإعادة بناء المخزونات وترتيب الأمن بينما تبقى دول المنطقة في مواجهة الجغرافيا وتبعات الصواريخ والطائرات المسيرة وإغلاق الممرات البحرية وقد ظهر بالفعل تنامي قلق الحلفاء الخليجيين من إدارة واشنطن للحرب ومن مسارها الدبلوماسي. الأهم ان ايران لم تتعامل مع المعركة بوصفها مواجهة بين جيشين فقط بل حركت أذرعها وشبكاتها الإقليمية من الحوثيين وحزب الله والحشد الشعبي إلى جماعات مسلحة أخرى ووسعت مساحة التهديد من الأراضي الإيرانية إلى الممرات البحرية وما تسميه بالقواعد والمصالح المرتبطة بالولايات المتحدة وحلفائها.
هنا تكمن خطورة الجولة القادمة فكل ضربة مباشرة يمكن أن ينتج عنها عدة جبهات غير مباشرة وكل جبهة يمكن أن ترفع سعر النفط والتأمين والشحن وتضاعف الضغط على الاقتصادات الآسيوية والأوروبية. المفاوضات لا تبدو لي قريبة من انتاج اتفاق مستقر.
الفجوة بين الطرفين ليست تقنية فقط بل تتعلق بالثقة والسيادة وشروط الامن ومضيق هرمز والعقوبات والوجود العسكري. إيران تريد رفع الضغط وفتح الممرات بشروطها وواشنطن تريد انتزاع تنازلات أوسع لذلك قد تعود المفاوضات مرة أخرى لكنها ستكون أيضاً أداة لشراء الوقت وإعادة التموضع.
إذا فشلت الدبلوماسية فإن الاحتمال الأخطر هو عودة الضربات بقوة أكبر قد تسعى واشنطن إلى إضعاف القدرات العسكرية والصاروخية والبنية التحتية إلى مستوى يجعل إيران عاجزة عن مواصلة الحرب بالوتيرة نفسها لكن الحديث عن إعادة إيران إلى العصر الحجري كما هدد ترامب يحمل في داخله مخاطرة هائلة لأن إيران ليست جزيرة معزولة وأي ضربة واسعة قد تطلق حرباً إقليمية يصعب إغلاق أبوابها الأخطر من الصوار يخ هو ما حدث للثقة العميقة بين الرياض وواشنطن العلاقة الأمريكية السعودية ما زالت إستراتيجية لكنها لم تعد كما كانت في نظر كثيرين وأنا منهم حين تشعر دول الخليج أنّ أمنها القومي قد يستخدم كجزء من إستراتيجية أمريكية أكبر ثم يتم تركها لتتحمل نتائجها فمن الطبيعي ان تعيد حساباتها وان تبحث عن توازنات جديدة مع الصين وروسيا والقوى الآسيوية ولعل إتفاق مكة الدفاعي في حلف سعودي تركي باكستاني هو البداية فقط .
مستقبل الحرب لا تحدده طهران وواشنطن وحدهما فالسعودية تملك اليوم هامشا أكبر للمناورة فالجميع يعيد ترتيب الأوراق وقد يكون الهدوء الحالي أخطر من الحرب نفسها هنا تكمن المفارقة قد تنتهي الحرب عسكرياً وتبدء إستراتيجياً إن لم تولد من هذا الركود تسوية حقيقة فقد تكون العاصفة المقبلة أكبر من مجرد جولة أمريكية إيرانية وربما تكون المنطقة قد دخلت بالفعل في مرحلة صراع نووي لا يمكن معرفة نتائجه أو متى وكيف وكيف ينتهي!!.