خالد الأنصاري
بعض الدعوات لا تأتي وحدها، ولا تقف دلالتها عند مناسبةٍ عابرة معينة؛ وإنما تحمل معها من الذكريات؛ ما يفتح في القلب أبوابًا من الوفاء، ويستدعي من الذاكرة صفحاتٍ من العمر، كان العلم فيها يجمعنا، والصحبة الصالحة تؤنس طريقنا، ومجالس العلماء تترك في النفس من الأثر ما لا تذهب به السنون.
مجالسُ العلمِ تروي كل قصتنا
إن قلت حدثنا يحيى وسفيانُ
وقد كان من جميل ما وصلني دعوةٌ كريمة من زميلي وصديقي في الطلب، فضيلة الشيخ الدكتور بدر بن محمد الوهيبي، لحضور حفل زفاف ابنته، فسررت بالدعوة، وسعدت بحضور هذه المناسبة، والتي حملتني إلى مجالس أخرى بعيدة في الزمن، قريبة في القلب، عزيزة في الذاكرة.
أعادتني إلى أيامٍ خوالٍ كنا فيها نطلب العلم، ونلتمس بركته في مجالس أهله، ونشد الرحال - وإن قصرت المسافة - إلى مواطن العلم والدرس.
ومن أجمل تلك الذكريات وأعمقها: دروسنا الخاصة عند سماحة مفتي عام المملكة فضيلة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ - رحمه الله تعالى - في منزله صباحًا، حيث كنا نجلس بين يديه، ونقرأ عليه في كتاب الصيام من «الشرح الممتع»، نتلقى العلم في هدوء تلك المجالس، وننهل من توجيهات سماحته، كان لمجلسه هيبة العلم، ولحديثه أثر المربي، ولصحبته معنى يتجاوز حدود الدرس إلى بناء طالب العلم وتكوينه.
وما زالت في الذاكرة تفاصيل تلك الصباحات؛ مجالسٌ لم تكن صفحات الكتاب وحدها هي التي تُقرأ فيها، بل كانت النفوس أيضًا تتعلم كيف يكون الأدب مع العلم، وكيف يُؤخذ الفقه عن أهله، وكيف تكون صحبة العلماء من أعظم ما يعين طالب العلم على الثبات والاستقامة.
ثم تستدعي الذاكرة مجلسًا آخر من مجالس العلم، وهو مجلس شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ - حفظه الله - في جامع حصة السديري بالمعذر؛ ذلك المجلس الذي كان للعلم فيه حضوره، وللشيخ فيه بيانه، ولطلاب العلم فيه شغفهم ومثابرتهم.
وما أجمل أن يلتقي طالب العلم في بدايات طريقه بمثل هذه المجالس، فتتكون في وجدانه مع الأيام خريطةٌ من الذكريات: شيخٌ قرأ عليه، وكتابٌ درسه، ومسجدٌ احتضن مجلس العلم، ورفيقٌ شاركه الطريق؛ فإذا مرّت السنوات بقيت تلك الصور أكثر إشراقًا من كثير من تفاصيل الحاضر.
ولم تكن علاقتي بأخي الشيخ الدكتور بدر الوهيبي مقصورةً على صحبة الطلب ومجالس العلم؛ فقد امتدت الذكريات إلى والده - رحمه الله تعالى - ذلك الرجل الوقور الذي أكن له في النفس منزلةٌ من التقدير والوفاء، ومزيداً من خالص الدعاء، كما امتدت إلى شقيقه الملازم - حينها - والذي ترجمت له وقتها في كتاب «أعلام الفكر الثقافي من رجال الأمن» والعميد حالياً إبراهيم، إنه رجل الأمن الذي جمعته بنا تلك المرحلة من العمر، بما فيها من مواقف وذكريات، وكذلك شقيقهم وأخي الأستاذ عبدالجبار، حيث عشت معهم، أجمل الأيام، وأسعد الأوقات، وأمتع اللحظات، بمنزلهم العامر في أم الحمام، فبقيت تلك الصحبة الكريمة موصولةً في الذاكرة، تتجدد مع الأيام والمناسبات.
ومن جميل ما زاد هذه المناسبة بهاءً وتشريفًا حضور شيخنا معالي الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ - حفظه الله - وإجابته دعوة تلميذه وأحد طلبته البارزين، فكان حضوره صورةً من صور الوفاء بين الشيخ وتلميذه، ومشهدًا جميلاً تتجلى فيه مكانة العلم وأهله، وامتداد الصلة التي تجمع العالم بأحد تلاميذه بعد أن تتعاقب السنوات والأيام.
وهكذا جاءت دعوة أخينا الدكتور بدر لتفتح سجلًا قديمًا لم تُغلق صفحاته، وتعيد إلى النفس وجوهًا عزيزة، ومجالس مباركة، وأيامًا كان فيها الطريق إلى العلم يجمع القلوب قبل أن يجمع الأجساد.
وإن من أجمل ما في العمر أن يكتشف الإنسان، بعد مضي السنين، أن صحبته الأولى لم تكن عابرة، وأن بعض الرفاق الذين جمعه بهم الطلب صاروا جزءًا من ذاكرته، وأن المجالس التي ظنها يومًا عادية، أصبحت بعد عقود من الزمن، أثمن ما يستحضره القلب بالحنين والامتنان.
وبعضُ الذِّكرياتِ إذا استُثِيرَت
أجابَ الدَّمعُ وانقَطعَ الكَلامُ!
فما أجمل أن تأتي مناسبةٌ جديدة، فتوقظ في القلب ذكريات قديمة، لصحبة صالحة عزيزة، لها في طريق العلم رفاقٌ إذا حضروا حضرت معهم الذكريات، وإذا دعتهم مناسبةٌ اجتمع معها للمرء عبق السنين.
وإنَّ المَـرْءَ في دُنْيَاهُ ذِكْرَى
فَدَعْ للناس خَيْرَ الذِّكْرَيَاتِ
وفي الختام أهنئ أخي وصديقي العزيز الشيخ د. بدر بن محمد الوهيبي بهذه المناسبة السعيدة، وأسأل الله عزوجل أن يبارك لبنتنا، وأن يتمم عليها فرحتها، وأن يجعل زواجها زواجًا مباركًا، وأن يؤلف بين قلبها وقلب زوجها، ويجمع بينهما في خير، ويرزقهما الذرية الصالحة، والسعادة والمودة والرحمة، ويجعل بيتهما عامرًا بالإيمان والذكر والسكينة والصلاح.
إضــاءة:
بعض الدعوات لا تجمعنا على اللقاء فحسب، بل تعيد إلى القلب عبقَ الذكريات، وإلى الروح دفءَ الصحبة، فطوبى للقاءٍ يوقظ في الذاكرة جميلَ الأيام، ويجدد في النفس معنى الوفاء.