عبد العزيز بن صالح الفريدي
لم يعد التحول الرقمي في سوق العمل السعودي مجرد انتقال من المعاملات الورقية إلى الخدمات الإلكترونية، بل أصبح جزءًا أساسيًا من إعادة بناء العلاقة بين العامل والمنشأة، ورفع كفاءة السوق وتعزيز الشفافية وحماية الحقوق. وفي هذا التحول، تبرز منصة «قوى» باعتبارها إحدى الأدوات المهمة التي تترجم مستهدفات رؤية المملكة 2030 إلى خدمات عملية تمس تفاصيل الحياة المهنية للعامل والمنشأة، وخلال الربع الثاني من عام 2026م، سجلت منصة «قوى» أكثر من ثلاثة ملايين خدمة، في مؤشر يعكس اتساع الاعتماد على الخدمات الرقمية في سوق العمل، ويؤكد أن التحول الرقمي لم يعد خيارًا إداريًا، وإنما أصبح عنصرًا أساسيًا في تطوير بيئة العمل ورفع كفاءة التعاملات.
ومن أبرز المؤشرات التي سجلتها المنصة خلال الربع الثاني توثيق 419,381 عقد عمل للسعوديين، إلى جانب انضمام 258,829 مستفيدًا سعوديًا جديدًا إلى المنصة، وتمثل هذه الأرقام دلالة مهمة على اتساع نطاق الاستفادة من الخدمات الرقمية، خصوصًا أن توثيق العقود لا يقتصر على تنظيم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، بل يسهم في حفظ الحقوق وتحديد الالتزامات ورفع مستوى الموثوقية والاستقرار في سوق العمل، وتزداد أهمية هذه المنظومة عندما ننظر إلى الدور الذي تؤديه «قوى» في دعم توطين الوظائف وتمكين الكفاءات الوطنية، فالمنصة لا تكتفي بتقديم الخدمات للمنشآت والعاملين، وإنما توفر أدوات رقمية تساعد على متابعة الالتزام بمتطلبات التوطين ورفع كفاءة تطبيقه، وخلال الربع الثاني، أصدرت قوى 72,407 شهادات للمنشآت المستوفية لمتطلبات التوطين المعتمدة، بما يعكس اتساع نطاق المتابعة الرقمية لهذا الملف الحيوي.
والأهم أن الرقمنة تمنح التوطين بعدًا أكثر استدامة، إذ تجعل البيانات أكثر وضوحًا، وتساعد على قياس مستوى الالتزام، وتحفز المنشآت على استقطاب الكفاءات السعودية وتطويرها، كما تسهم في ربط سياسات التوطين باحتياجات سوق العمل الفعلية، بما يعزز الانتقال من التوطين بوصفه مستهدفًا رقميًا إلى كونه مسارًا اقتصاديًا مستدامًا يقوم على تأهيل الكفاءات الوطنية ورفع إنتاجيتها وتوسيع فرصها المهنية.ولا يتوقف دور «قوى» عند لحظة التوظيف أو توثيق العقد، بل يمتد إلى المسار المهني للعامل. فقد شهد الربع الثاني إصدار 163,349 شهادة تعريف بالراتب، إلى جانب 63,736 شهادة خبرة للسعوديين، وهي خدمات تسهم في توثيق البيانات والخبرات المهنية وتسهيل انتقال العاملين بين الفرص الوظيفية، وتمنح مسيرتهم المهنية قدرًا أكبر من التنظيم والوضوح.
ومن هنا يمكن النظر إلى «قوى» باعتبارها منظومة متكاملة ترافق العامل السعودي في مراحل متعددة من رحلته المهنية؛ تبدأ من توثيق العلاقة التعاقدية، مرورًا بإثبات الراتب والخبرة، ووصولًا إلى الخدمات المرتبطة بالمسار الوظيفي. وفي المقابل، تمنح المنشآت أدوات أكثر كفاءة لإدارة علاقاتها العمالية والوفاء بالمتطلبات التنظيمية.
ولم تأت هذه النتائج بمعزل عن التطور التقني الذي تشهده المنصة، فقد توجت «قوى» تميزها بفوزها بجائزة قمة مجتمع المعلومات (WSIS) المقدمة من الاتحاد الدولي للاتصالات، كما حصلت مؤخرًا على جائزة تجربة العملاء الخليجية (GCXA 2026)، بما يعكس حضور التجربة السعودية في مسار التحول الرقمي على المستويين الدولي والإقليمي.
إن أهمية «قوى» لا تكمن فقط في عدد الخدمات التي تقدمها، وإنما في قدرتها على إعادة صياغة تجربة سوق العمل نفسه. فكل عقد موثق، وكل شهادة مهنية، وكل منشأة تستوفي متطلبات التوطين، تمثل خطوة إضافية نحو سوق أكثر تنظيمًا وشفافية وتنافسية.
وهنا تتجلى القيمة الأوسع للتحول الرقمي في المملكة: أن التقنية لم تعد مجرد وسيلة لتسريع الإجراءات، وإنما أصبحت أداة لإعادة تشكيل سوق العمل، وتمكين الإنسان السعودي، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني. وهذا هو جوهر التحول الذي تستهدفه رؤية المملكة 2030، حيث يصبح الاستثمار في الكفاءة والبيانات والمهارات الوطنية أحد أهم روافع الاقتصاد المستقبلي.