د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
ليست كل الأخطاء سواء؛ فخطأ تدركه قبل وقوعه فتتجنبه، وخطأ تقع فيه ثم تستدركه، وثالث يمضي أثره أبعد من قدرتك على إصلاحه، ولو أتبعت الاعتذار بالاعتذار، وبين هذه المراتب تتجلى قيمة قديمة تتجدد الحاجة إليها كل يوم: أن يحسن الإنسان إدارة كلمته وموقفه قبل أن يصبح أسيرًا لتبعاتهما.
ومن جوامع الوصايا النبوية قوله- صلى الله عليه وسلم-: «ولا تكلَّمنَّ بكلامٍ تعتذرُ منه». إنها وصية قصيرة في ألفاظها، بعيدة المدى في معناها؛ لأنها لا تعالج الخطأ بعد وقوعه فحسب، بل تبني في الإنسان رقابة تسبقه: ماذا سأقول؟ ولماذا أقوله؟ وما أثره؟ وهل سأبقى مقتنعًا به بعد أن تهدأ النفس وينقضي الانفعال؟
إياك وما يُعتذر منه.
ليست العبارة انتقاصًا من قيمة الاعتذار؛ فالاعتذار الصادق خلق رفيع، والرجوع عن الخطأ شجاعة، والاعتراف بالتقصير دليل على نضج النفس، لكنها تنقلنا من ثقافة معالجة الأخطاء إلى ثقافة الوقاية منها، ومن إصلاح الآثار إلى التفكير في العواقب قبل وقوعها.
فالإنسان في ساعة الغضب قد يتوهم أن أقسى الكلمات أقواها، وأن سرعة الرد دليل حضور، وأن الصمت تراجع، ثم يكتشف بعد أن تهدأ نفسه أن أقوى المواقف كان يمكن أن يكون كلمة موزونة، أو ردًا مؤجلًا، أو صمتًا كريمًا.
وكم من خصومة بدأت بجملة!
كلمة قيلت في مجلس، ورسالة أرسلت في لحظة غضب، وتعليق كتب تحت تأثير انفعال، وسر نقل على سبيل الاستئناس، وتهمة ألقيت قبل اكتمال الحقيقة. أفعال لا تستغرق أحيانًا سوى ثوانٍ، لكنها قد تحتاج شهورًا أو سنوات لإصلاح نتائجها.
وهنا تظهر إحدى مشكلات عصرنا؛ فنحن نعيش في زمن منح الإنسان قدرة هائلة على الكلام، لكنه لم يمنحه بالضرورة قدرة مماثلة على تقدير أثر الكلام. يحمل أحدنا هاتفًا يستطيع من خلاله أن يخاطب المئات والآلاف في لحظة، وأن يصدر حكمًا، وينقل خبرًا، ويعلق على شخص، ويخوض في قضية، وربما فعل ذلك كله وهو غاضب أو متعجل أو لم يكتمل لديه التصور.
وفي السابق ربما كانت زلة اللسان تنتهي بانفضاض المجلس، أما اليوم فإن زلة الأصابع قد تبدأ بعد النشر حياة مستقلة عن صاحبها. تُلتقط صورة للشاشة، ويعاد النشر، ويُنقل الكلام خارج سياقه، وقد يحذف صاحبه ما كتب، لكنه لا يستطيع استعادة ما استقر في ذاكرة الآخرين.
ولهذا أصبحت المسؤولية عن الكلمة أكبر، لا أصغر.
وقد قرر القرآن هذا المعنى بأبلغ بيان: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}، وقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». وليس الصمت هنا غيابًا عن الموقف، بل قد يكون أرقى أشكال السيطرة عليه؛ لأن من يملك نفسه عند الاستفزاز أقوى ممن يملك العبارة الجارحة.
المشكلة أننا أحيانًا نتعامل مع الاعتذار وكأنه ممحاة كاملة للأثر. نقول ما نشاء، ثم نعتقد أن عبارة «أعتذر» تعيد الأشياء إلى ما كانت عليه والواقع أن الاعتذار قد يصلح العلاقة، لكنه لا يمحو دائمًا الذاكرة. قد تسامح إنسانًا على كلمة قالها، لكنك لا تستطيع أن تنسى أنك سمعتها منه.
وتزداد حساسية ذلك داخل الأُسرة، فالكلمة التي يسمعها الإنسان من شخص بعيد ليست كالكلمة التي يسمعها من أب أو أم أو زوج، أو زوجة، أو أخ، أو صديق قريب. وكلما اقترب مصدر الكلمة من القلب كان أثرها أعمق، وربما قال أب لابنه في لحظة غضب وصفًا قاسيًا، ثم نسيه الأب بعد دقائق، بينما يحمله الابن في ذاكرته سنوات.
وهنا ينبغي أن نتعلم مهارة بسيطة عظيمة النتائج: لا تتخذ موقفًا دائمًا تحت تأثير شعور مؤقت.
الغضب مؤقت، لكن بعض القرارات دائمة، والانفعال عابر، لكن بعض الكلمات باقية، وسوء الفهم قد يزول بعد ساعة، لكن الرسالة التي أرسلت في لحظته قد تغير علاقة امتدت سنوات.
ولهذا فإن تأجيل الرد ليس ضعفًا. اكتب الرسالة ولا ترسلها مباشرة، اقرأها بعد أن تهدأ، واسأل نفسك: هل هذه لغتي التي أرضى أن تمثلني؟ هل أقبل أن يقرأها شخص أحترمه؟ وهل سأحتاج غدًا إلى تفسيرها أو الاعتذار عنها؟
هذه الأسئلة البسيطة تمنع كثيرًا من الندم، والأمر لا يتعلق بالكلام وحده، بل يمتد إلى القرارات والمواقف، فهناك من يقطع علاقة بسبب موقف عابر، أو يسيء إلى زميل بسبب خلاف محدود، أو يتخذ قرارًا ماليًا تحت تأثير الحماس، أو ينشر اتهامًا قبل التثبت، ثم يبدأ رحلة شاقة للعودة إلى النقطة التي كان يستطيع البقاء عندها لو منح نفسه وقتًا قصيرًا للتفكير.
إن التروي ليس بطئًا، بل جودة في اتخاذ القرار، ولا ينبغي أن نفهم من ذلك أن الحكيم لا يخطئ. كلنا نخطئ، وكلنا قد نقول ما نتمنى لو أننا لم نقله، وقد نفعل ما نود لو استطعنا استعادته، وإذا وقع الخطأ فلا قيمة للمكابرة؛ فالاعتذار في موضعه فضيلة، وتصحيح الخطأ واجب أخلاقي، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
لكن الحكمة ألا يتحول الاعتذار إلى عادة تسبقها الأخطاء نفسها في كل مرة.
أن تجرح ثم تعتذر، وتكرر الجرح ثم تعتذر، وتسيء ثم تعتذر؛ فهذا لا يعني أنك تجيد الاعتذار بقدر ما يعني أنك لم تتعلم بعد كيف تتجنب ما يستوجب الاعتذار.
نحتاج في حياتنا إلى مساحة صغيرة بين الشعور والتصرف، وبين سماع الكلام والرد عليه، وبين وصول الخبر ونشره. في تلك المساحة القصيرة يسكن كثير من العقل، وتحفظ كثير من العلاقات، وتنجو سمعة، ويطفأ خلاف، وربما تغير قرار كامل.
وما أكثر ما يندم الإنسان على كلمة قالها، وما أقل ندمه على كلمة سيئة أمسك عنها.
إياك وما يُعتذر منه ليست وصية للسان وحده، بل منهج في الحياة: أن تنظر إلى نهاية الفعل قبل بدايته، وإلى أثر الكلمة قبل إطلاقها، وإلى قيمة الإنسان الذي أمامك قبل أن تنتصر عليه في لحظة غضب.
فالاعتذار جميل، لكن الأجمل منه ألا تضع نفسك في موضع تحتاج فيه إليه. والتسامح عظيم، لكن أعظم منه ألا تجرح قلبًا ثم تطلب منه أن ينسى.
وبين كلمة قيلت وكلمة أُمسك عنها، قد تكون المسافة بين الندم وراحة الضمير.