د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
الطائف إحدى المدن العريقة في بلادنا شهرة وأصالة وقِدما؛ تقع على السفوح الشرقية لجبال السروات، وفي حضن جبل «غزوان»، وتبعد عن العاصمة الرياض 900 كيل، ويربطها بمكة المكرمة طريقان: الأول قصير عن طريق جبال العالية؛ ويسمى «الهدا» والثاني «طريق سريع مزدوج» ويسمى «طريق السيل الكبير».
ولقد كانت الطائف المصيف الأول في بلادنا المملكة العربية السعودية في عهود متقدمة واليوم ما زالت مقصدا ومسترادا! وحازتْ ملتقى طرق نجد واليمن والحجاز في سابق زمانها؛ ولما اكتستْ من حضارة بلادنا الممتدة أصبحت سبلا فِجاجا! ولقد هيأ لها مناخها العليل المعتدل مستوى من الحظوة إضافة إلى أنها تنداحُ على منبسط فسيح من الأرض تطرزه الهضاب الحمر والربى الجميلة، وتتخلله أودية خضراء تختال وتنثال هنا وهناك، ومن بديع أوصاف الطائف أن أرضه تحمل في ثناياها حصباء مرجانية ذات ألق وبريق تسرّ الناظرين، وتتعانق في أودية الطائف أشجار الطلح لتجذب السياح ليشاركوها العناق! وفي الطائف كروم العنب النادرة نوعا ومذاقا ولآلئ الرمان الذي لايشبهها جنس في مكان آخر غير محضنه في موقع «لِية» في مدينة الطائف، وبها غزارة ووفرة من «التين الشوكي في سفوح» «الشفا الشافية»، وتمتاز مدينة الطائف بأقدميتها وتوسطها بين مدن بلادنا الحبيبة؛ وتشتهر بتراثها وآثارها التي هي رموز لمجد غابر ونماذج لتاريخ ثري قديم فكانت هناك سوق عكاظ أو مؤتمر الجاهليين السنوي تقام في إحدى مرتبعات الطائف، وامتدت بعد الإسلام، وأصبحت عكاظ مهرجانا ثقافيا أدبيا وحين سقتهُ بلادنا الحبيبة من نمير التنمية السياحية الذي علا وتجلّى ظهر عكاظ السعودي بجوهر جديد في فترة زمنية سابقة نتمنى أن تشرق مناراتها عهداً آخر جديداً! وفي الطائف مسجد الحَبْر عبد الله بن عباس بن عبدالمطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي شيده وأقامه رضي الله عنه، ومن مباني الطائف المشهورة قصور شُبرا؛ ومن أشهر الأودية «وادي وج» وهناك يبدو جبل شهير يسمى «الغُمير» وتتربع قرابة مئتي قرية في محافظة الطائف، وتتبعها إداريا «بنو سعد» «وبنو مالك» «وبنو الحارث» وتشمخ على أرض الطائف قلاع وحصون تدل على عبقها وعراقتها وعمق ماضيها، وما تزال الطائف بعمرانها السعودي الباذخ وما شارك جمالها من صروح التعليم في كافة مراحله العام والعالي حيث احتضنت مدرسة دار التوحيد التي بزغتْ شمسها كأول صروح التعليم المتمكن في الطائف في عهد المؤسس الملك عبدالعزيز رحمه الله واحتفت الطائف في العهود الحاضرة بممكنات النهوض الحضاري، ومحققات التنمية البشرية وما تزال الطائف الباسمة بورودها وبرودها وفضاءاتها التي تشبه أطواق الجمال حين تحيط بأعناق الحسان، وتلك المدينة التي يبلل العطرُ رداءَها، ويغمر القطر سماءها، وتصحو على قرات الندى رياضها وحياضها وتلك الربوة العالية التي تعانق الضباب؛ وما زالتْ مكونا رئيسا في حشودنا السياحيّة التي نمتْ وتجلتْ.
يقول الشاعر فؤاد الخطيب واصفا الطائف:
«أنا في الطائف استوحي الشعور
هتفتْ في فنن الأيك الطيور
ومشى الجدول في أرجائها
كوثرا يسبح فيها ويمور»
وفي الطائف ليس ثمة خيام ولا أكواخ ولا أطلال مبعثرة، بل رؤية حضارية خاصة يتمازج إنسانها مع حضارة مدينته، ويسعد حين يزرع حقولا موروثة مستمتعا بالجمال الذي توشَّى من الطبيعة وتوشحها فهناك حشد من الصناع والزراع أنجبتهم أرض الطائف فحملوا الشغف للأرض واعتصروا من طبيعتها إعلان حب يتساوق مع رونق المكان وأهله؛ وثمة إشارات توحي بحب صناعة السياحة هناك؛ ودعم محاضنها، والحنين إلى كل الثقافات فيها وتجاوز اللحظة الحاضرة إلى لحظات ثرية قادمة؛ تخطط لمستقبل السياحة في طبيعة الطائف الحافزة، وتؤصل للعشق طبيعة المكان التي تسكب ودها دفقا في أماكن متفرقة من مدينة الطائف حيث يستشرف الطائف قدوم زائريه بلهفة وافرة، ويقام مهرجان الورد الطائفي كل عام وهو من قواسم حضارة الطائف وتاريخها الأصيل، وتحتفل الطائف بتلك الصناعة ويشهدُ ذلك الاحتفاء لوحات أخَّاذة يتصدرها توليد الجانب التصويري لمنتج طبيعي يُعتبر من موروثات الصناعات الشعبية القديمة وإن أشرق بها الحاضر ويعتبر من أثمن وأغلى الهدايا التي يتبادلها الأحباب حتى نافس عطور العالم حين وصل أسواقهم، بما يحتويه من معاني الاحتفاء بالأرض، ومعطياتها الجزلة كما يبرز فيه الاعتزاز بالموروث المحلي من الصناعات المتصلة بالطبيعة الخلابة الملأى بالمقومات الحافزة مكانا تحمُّل الطَّبِيعَة الفوارة بريقه؛ ومكانة يؤصلها تاريخ الطائف العريق وتراثه الممتد:
«هي قصة الرمان ترجمها الذي
قد أبهرتْ عيناه زهر الطائف
وغدا تراث في السياحة حافز
قد أبدع الرحمن أرض الطائف»