عايض بن خالد المطيري
لم يكن المشهد الذي ظهر في أحد المقاطع المتداولة على منصات التواصل ليمرّ أمامي مرورًا عاديًا. بدا في ظاهره مجرد مقطع طريف، تمثيلٌ خفيف لما يسمى «طقطقة» بين شابين أحدهما يؤدي دور شيخ والآخر منسّق، يتفاوضان مع شخص ثالث يريد حضور «الشيخ» لمناسبةٍ خاصة. المقابل المادي كان محدد وبوضوح حضور بـ500 ريال، كلمة للمناسبة بـ2000 ريال، مدحٌ للمضيف إضافة 500 ريال أخرى.
للوهلة الأولى اعتقدت أنها محاولة لصناعة «ترند» لا أكثر؛ لكن السخرية انقلبت واقعًا حين وجدت نفسي في مواجهة المشهد ذاته، لكن خارج الكاميرا... داخل الحياة.
حدث ذلك يوم بدأت استعدادات زواج ابني. فوجئت بأحدهم يعرض عليّ «باقات» لحضور شخصيات مرموقة ووجوهٍ اجتماعية إلى المناسبة. ظننته يمزح، لكنه كان يتحدث بصدق وثقة كاملة، ويؤكد لي عروضًا بأسعار مفصلة، وأسماء جاهزة، وصيغ مدحٍ معلّبة، وكلمات تُلقى بحسب قيمة التحويل. باقاتٌ كاملة أشبه بقائمة طعام في مطعم فاخر حضور، كلمة، مدح، تصوير، توثيق... وكل إضافة تُطلب لها سعر. ما بدا أول الأمر «مزحة» اتضح أنه سوق متكامل، يديره منسقون محترفون بعضهم أبناء أولئك الوجهاء أنفسهم يعملون كوسطاء بين أصحاب المناسبات والباحثين عن مكانةٍ سريعة، أو «لقطة» تُنعش المكان، أو «مقطعٍ للتاريخ» يرفع صاحبه إلى مقامٍ لا يستحقه.
وجوهٌ تنتقل بمشالحها بين عدة مناسبات في الليلة الواحدة، تُسلّم المايك لتصب مديحاً وكلامًا منمقًا ومصفوفًا، وتلتقط صورةً تُنشر، وتمضي إلى المناسبة التالية وهكذا. في المقابل، ترتفع المداخيل وتُعاد صياغة المجد بناءً على فاتورة التحويل، لا على أفعال.
الأخطر من كل ذلك أنّ هذا السلوك لم يعد حالة فردية أو تصرفًا شاذًّا، بل تحوّل إلى «صناعة» لها زبائنها، وسوقها، ومنسقوها، وقواعدها. صناعةٌ تروّج لمجدٍ مزيف، وتمنح حضورًا وهميًا، وتقدم «طبقة جديدة» من المتصدرين في المناسبات : فئة «المفوّهين للإيجار». هؤلاء الذين يتقنون نبرة الصوت العالي، ويجيدون إخراج الكلمات المنمقة والرنانة، ويكيلون المدائح بالكوم على قدر المبلغ المحوّل. وكلما ارتفع العطاء ارتفع مستوى «الإطراء».
هذه الظاهرة مؤشر خطر على اهتزاز منظومة القيم ذاتها. حين تتحول المكانة إلى سلعة، والهيبة إلى عقد مدفوع، والكلمة إلى انتقال بنكي، يصبح المجتمع أمام خلل عميق يتجاوز قاعات الأفراح إلى بنية الوعي نفسها. فالمجتمعات ليست بخير حين يقودها السفهاء ، وحين يتصدر واجهتها من اشترى مكانه لا من صنعه.
للإنصاف، لا يزال في مجتمعنا رجال حقيقيون عرفوا قدر أنفسهم وقدر الآخرين، لم يتاجروا بحضورهم، ولم يطاردوا عدسات، ولم يطلبوا أتعابًا على كلمة حق. هؤلاء يختصرون مناسباتهم، ويؤمنون أن القيمة في «الكيف لا الكم»، وأن الحضور يُقاس بتأثيره لا بتصويره. وجودهم هو ما يمنح المجتمع توازنه، وما يجعل الانزلاق الكامل نحو «تسوّق الوجاهة» أمرًا قابلًا للحدّ.
المطلوب اليوم ليس صخبًا أعلى من صخب هؤلاء المتصدرين للأفراح، بل وعي أعمق.
وعيٌ يعيد الاعتبار للمعاني، ويضبط معايير التقدير، ويقيم الفارق بين من يضيف للمكان ومن يضيف على الفاتورة.
وعيٌ يعيد القيم إلى الناس قبل أن تُسحب منهم ببطء.
فالمجتمع الذي يبيع هيبته بالساعة، سيشتري غدًا مشكلاتٍ أكبر بكثير من صورةٍ في مناسبة.
والمكانة التي تُكتسب بمالٍ.. تُسقطها لحظة صدق واحدة.