د. نجوى علي غريب
ثّمَّة فرق شاسع بين أن يعرف المتعلّم اللغة، وأن يعيش بها، ويتفاعل من خلالها مع العالم من حوله، فقد يحفظ عشرات المفردات والقواعد النحوية، ويجيب عن أسئلة الفهم القرائي بشكل صحيح، ثم يجد نفسه مترددًا حين يُطلب منه التحدّث في موقف لم يتدرّب عليه مسبقاً، أو أن يكتب نصًا يعبّر فيه عن تجربة شخصية مرّ بها، والمفارقة هنا لا تكمن في ضعف ما تعلّمه بالضرورة، وإنما في الطريقة التي تعلّم بها اللغة، فقد يكتسب المتعلم معرفةً واسعة بها، دون أن تتحوّل هذه المعرفة إلى قدرة حقيقية على استخدامها وتوظيفها في مواقف الحياة المختلفة، وهذه الفجوة تدعونا إلى طرح سؤال جوهري حول طبيعة تعليم اللغة، ألا وهو:
هل يكفي أن نقدّم اللغة العربية للمتعلم بوصفها موضوعًا للدراسة، أم ينبغي أن نجعلها وسطا يعيش من خلاله خبرات تعليمية وتواصلية حقيقية؟
من هذا المنطلق يبرز الانغماس اللغوي بوصفه مدخلًا تربويًا لا ينظر إلى اللغة باعتبارها مادةً يتعلمها المتعلم فحسب، وإنما باعتبارها بيئةً يعيش فيها، ووسطًا يفكر ويتواصل ويعبّر ويبني من خلاله المعنى، ومن هنا يتجاوز الانغماس اللغوي مجرد زيادة تعرّض المتعلم للغة العربية؛ ليهيئ له خبرة لغوية غنية ومتكررة وذات معنى، يمارس فيها الاستماع والتحدث والقراءة والكتابة في سياقات متصلة بحاجاته وتجاربه واهتماماته، فاللغة لا تُتقن بكثرة الحديث عنها، وإنما بمعايشتها واستخدامها في مواقف حقيقية ذات معنى، ولا يعني ذلك التقليل من شأن المفردات أو القواعد، فالمعرفة اللغوية أساس ضروري لمعرفتها وفهم نظامها، لكن قيمتها التربوية تكتمل حين تنتقل من حيز المعرفة المجردة إلى حيز الاستخدام الحقيقي، وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: كم يعرف المتعلم عن العربية؟ وإنما: كيف يستطيع أن يوظّف العربية في مواقف حقيقية ذات معنى؟
إنّ تعلم اللغة لا يعني فقط أن يحفظ المتعلم كثيرًا من المفردات والقواعد، فقد يعرف، مثلًا، أن الصفة تتبع الموصوف في التذكير والتأنيث، ويستطيع تطبيق ذلك في تمرين مكتوب، لكنه قد يتردد عندما يحتاج إلى استخدام القاعدة في حديث حقيقي، وهنا يكمن الفرق بين أن يعرف المتعلم القاعدة، ويستطيع شرحها عند سؤاله عنها، وبين أن يستخدمها بصورة تلقائية وصحيحة أثناء حديثه، وهذا الفرق هو ما يجعل ممارسة اللغة في مواقف حقيقية أمرًا ضروريًا، فالمعرفة وحدها لا تكفي ما لم تتحوّل إلى استخدام فعلي.
ولهذا فإن الانغماس اللغوي لا ينظر إلى اللغة بوصفها مجموعة من العناصر المنفصلة، وإنما بوصفها نظامًا يستخدمه المتعلم؛ لتحقيق أغراض تواصلية ومعرفية واجتماعية. فالمفردة تكتسب دلالتها الكاملة داخل السياق، والقواعد تتضح وظيفتها من خلال الاستعمال، والتراكيب تصبح أكثر رسوخًا عندما تتكرر في مواقف متنوعة، والمهارة تنمو عندما يمارسها المتعلم بصورة مستمرة، وهنا تتضح قيمة الانغماس، فهو لا يلغي المعرفة اللغوية، بل يمنحها مجالًا لتعمل، وتتحوّل إلى ممارسة حقيقية.
ومن الخطأ اختزال الانغماس اللغوي في زيادة ساعات الاستماع أو كثرة القراءة، فالتعرّض للغة لا يكفي وحده لتحقيق تعلم عميق، ما لم يصاحبه فهم وتفاعل واستخدام في مواقف ذات معنى، فقد يشاهد المتعلم مقاطع عربية كثيرة دون أن يشارك في أي تفاعل لغوي حقيقي معها، بينما ينخرط متعلم آخر في نشاط أقصر، لكنه يستمع ويفهم ويسأل ويجيب ويعيد صياغة أفكاره، ثم يوظف ما تعلمه في مهمة جديدة، ففي الحالة الثانية لا تكون الخبرة اللغوية أطول، وإنما أعمق؛ لأنها تجمع بين الفهم والتفاعل والإنتاج والاستخدام.
ومن هنا يمكن النظر إلى الانغماس الفعّال باعتباره انتقالًا من التعرّض للغة، إلى التفاعل معها، إلى استخدامها، ثم إلى القدرة على توظيفها في مواقف جديدة، وهذه النقلة تعدّ نقلة جوهرية في تعليم اللغة العربية؛ لأن الغاية ليست أن ينجح المتعلم في تدريبات مدرسية مألوفة، وإنما أن يستطيع استخدام اللغة عندما يتغير السياق، أو تتغير المهمة، أو يواجه موقفًا لم يتدرب عليه من قبل، وهنا تتجلى القيمة التربوية الحقيقية للانغماس حين تتحوّل اللغة العربية من موضوع يتعلّمه المتعلّم إلى وسيلة يتعلّم بها.
فمثلًا، في درس التعبير التقليدي حول موضوع «التخطيط لرحلة»، قد يكتفي المعلم بتقديم مجموعة من المفردات والتراكيب المرتبطة بالسفر، ثم يطلب من المتعلمين استخدامها في جمل أو توظيفها في كتابة فقرة عن رحلة متخيلة. أما في بيئة الانغماس اللغوي، للدرس نفسه، فإنّ المتعلم يُوضع في موقف يدفعه إلى استخدام اللغة لإنجاز مهمة ذات معنى، كأن يُطلب منه التخطيط لرحلة قصيرة إلى مدينة عربية، واختيار موعد الرحلة، ومقارنة الخيارات المتاحة، ثم مناقشة تفاصيلها مع زملائه وكتابة خطة مختصرة لها.
في هذه الحالة، لا يتعلم المتعلم المفردات منفصلة عن استخدامها، بل يحتاج إليها لكي يفهم المعلومات، ويتبادل الآراء، ويتخذ قرارًا، ويعبّر عنه. فهو يقرأ؛ ليعرف، ويستمع؛ ليفهم، ويتحدث؛ ليشارك، ويكتب؛ ليوظف ما تعلمه في موقف حقيقي، وهكذا تتحوّل المفردات والتراكيب من موضوع يتعلّمه المتعلّم إلى أدوات يستخدمها لتحقيق غرض حقيقي، حيث يتغير معها السؤال من:
ما معنى هذه الكلمة؟ إلى: كيف أستخدم هذه الكلمة في هذا الموقف؟
وهذا التحوّل لا يقتصر على طريقة تعلّم المفردات، بل يمتد إلى صورة المتعلّم عن اللغة نفسها؛ فبدل أن ينشغل في البيئة التقليدية بالسؤال: ما القاعدة التي يجب أن أحفظها؟ وما المفردة التي ينبغي أن أتذكرها؟، يصبح أكثر ارتباطًا بوظيفتها في الحياة: كيف أقول ما أريد؟ وكيف أفهم ما أسمعه؟ وكيف أشارك في هذا الحوار؟ وكيف أستخلص معنى هذا النص؟، وهنا ينتقل المتعلّم من النظر إلى اللغة بوصفها مادة للدراسة إلى التعامل معها بوصفها أداة للفهم والتواصل والتعبير.
وهنا لم يعد السؤال عن نجاح تعلم اللغة سؤالًا عن مقدار ما حفظه المتعلّم منها، وإنما عن مقدار ما أصبحت تُمكّنه من فعله بها. فالمتعلّم الذي يستطيع استدعاء عدد كبير من المفردات، ويتذكّر القواعد، ويجيب إجابات صحيحة عن أسئلة الاختبار، قد يمتلك معرفة لغوية جيدة، لكنه لا يكون بالضرورة قادرًا على توظيف هذه المعرفة عندما يواجه موقفًا جديدًا يتطلب منه أن يفهم، أو يسأل، أو يفسّر، أو يناقش، أو يعبّر عن رأيه، أو يتخذ قرارًا باللغة. وبناء على ذلك يتحوّل معيار الحكم على نجاح المتعلّم في اللغة العربية من مقدار ما يعرفه عنها إلى مقدار ما يستطيع أن يفعله بها؛ فلا تكون قيمة التعلّم فيما يحتفظ به من قواعد ومفردات فحسب، وإنما فيما تمكّنه هذه المعرفة من فهمٍ وتواصلٍ وتعبيرٍ وفعلٍ في مواقف جديدة لم يتدرب عليها بصورة مباشرة.
إنّ الممارسة اللغوية الطبيعية تتصف بالتّكامل، فالإنسان لا يعيش الاستماع منفصلًا عن التحدّث، ولا القراءة منفصلة عن الكتابة، ولذلك، فإن الانغماس اللغوي يوفّر بيئة ملائمة لتفاعل مهارات اللغة الأربع بدل تقديمها بوصفها وحدات مستقلة.
فمن خلال نشاط واحد كما في المثال الذي تم طرحه آنفا، يمارس المتعلم:
- الاستماع لفهم المعلومات.
- التحدث للتعبير والمناقشة.
- القراءة لاستخراج معلومات جديدة.
- الكتابة لتنظيم الأفكار وإنتاج نص.
ولكن الأهم من جمع المهارات الأربع في نشاط واحد هو أن كل مهارة أصبحت تغذي الأخرى. فما يسمعه المتعلم يمده بتعبيرات يمكن أن يستخدمها في الحديث، وما يقرؤه يوسّع رصيده اللغوي والمعرفي، وما يناقشه يساعده على تنظيم أفكاره قبل الكتابة.
وهكذا لا يعود الهدف مجرد تنمية المهارات الأربع، وإنما بناء كفاءة لغوية متكاملة، يستطيع المتعلّم من خلالها الانتقال بين أنماط الاستخدام المختلفة بمرونة.
ومن الخصائص المهمة للخبرة التي يكتسبها المتعلّم في بيئة الانغماس اللغوي أن اللغة لا تُقدّم في فراغ، فالكلمة لا تظهر بوصفها وحدة معجمية مستقلة، وإنما تكون داخل موقف وسياق وعلاقة بين المتحدثين وغاية يريدون تحقيقها.
فكلمة مثل «موعد» قد يكتسبها المتعلم ضمن قائمة مفردات، لكنه يكتسب قدرة أعمق على استخدامها عندما يشارك في حوار كهذا:
هل يناسبك الموعد الجديد؟
- يقول: لا، لدي موعد آخر في الوقت نفسه، ثم يكتب: أقترح أن نؤجّل الموعد إلى الساعة الخامسة.
هنا لا يتعلم المتعلم كلمة «موعد» فقط، وإنما يتعلم شبكة من الاستخدامات والتراكيب والوظائف التواصلية المرتبطة بها.
وهذا ما يجعل السياق عنصرًا أساسيًا في الانغماس اللغوي؛ لأن المعنى هو الذي يمنح اللغة قيمتها الوظيفية.
وإذا أردنا للانغماس اللغوي أن يصبح مدخلًا حقيقيًا في تعليم اللغة العربية، فلا ينبغي أن يظل محصورًا في حصة اللغة العربية.
يجب أن تصبح اللغة العربية لغة للمشروعات، وللأنشطة، وللحوار، وللقصص، وللعروض، وللمحتوى الرقمي، وللتعاون بين المتعلمين. ويمكن أن تستخدم في مواقف تتجاوز الكتاب المدرسي، بحيث يشعر المتعلّم أن اللغة العربية ليست مادة تبدأ عند دخول المعلم إلى الفصل الدراسي، وتنتهي بخروجه.
فيمكن مثلًا أن ينجز المتعلمون مشروعًا حول «مدينتي»، فيبحثون عن معلومات، ويقرؤون مصادر مختلفة، ويجرون مقابلات قصيرة، ويسجلون مقاطع صوتية، ثم يقدمون عرضًا باللغة العربية. في هذه التجربة لا تكون اللغة العربية مجرد موضوع للمشروع، وإنما اللغة التي يتم بها إنجاز المشروع نفسه. وهنا تتحقق النقلة النوعية المنشودة، حيث يصبح المتعلّم منغمسًا في اللغة؛ لأنه يحتاج إليها لإنجاز ما يريد، وليس لأنه مطالب فقط بممارسة نشاط لغوي.
وفي عصرنا الحالي تفتح البيئة الرقمية آفاقًا واسعة أمام الانغماس اللغوي؛ لأنها تستطيع أن توسّع البيئة اللغوية للمتعلّم خارج حدود الفصل الدراسي، حيث يستطيع المتعلّم الاستماع إلى نشرات وقصص وحوارات عربية، ويقرأ مقالات ومحتوى رقميًا، ويتفاعل مع أنشطة صوتية ومرئية، وينتج تسجيلات ومقاطع كتابية، ويتلقى تغذية راجعة، ويشارك في مهام تعاونية.
لكنّ القيمة الحقيقية للتقنية في مجال تعلّم اللغة العربية لا تكمن في كثرة المحتوى العربي المتاح، وإنما في كيفية تحويل هذا المحتوى إلى خبرة لغوية نشطة، فمشاهدة مقطع عربي بصورة سلبية تختلف جذريًا عن مشاهدة المقطع بهدف استخراج معلومات، ثم مناقشتها، ثم استخدامها في مهمة إنتاجية. والقراءة العشوائية لمحتوى عربي تختلف عن قراءة نصوص مختارة لإنجاز مهمة تتطلب اتخاذ قرار أو بناء رأي أو إنتاج نص، هكذا تصبح التقنية أداة لتوسيع الانغماس، لا بديلًا عن التفاعل الإنساني الذي يمنح اللغة معناها ووظيفتها.
يتضح مما سبق أن الانغماس اللغوي يكشف عن حقيقة تربوية تتجاوز تعليم اللغة العربية إلى فلسفة التعلم نفسها، والتأكيد بأنه لا يمكن بناء القدرة على استخدام اللغة إذا ظل المتعلّم بعيدًا عن استخدامها.
فالمفردات تحتاج إلى سياق، والقواعد تحتاج إلى ممارسة، والاستماع يحتاج إلى تفاعل، والتحدث يحتاج إلى حاجة حقيقية للتعبير، والقراءة تحتاج إلى غرض، والكتابة تحتاج إلى معنى يتجاوز مجرد أداء الواجب.
ومن هنا لا ينبغي أن يكون السؤال المركزي في تعليم اللغة العربية: كيف نقدّم للمتعلّم أكبر قدر من المعرفة اللغوية؟ بل: كيف نبني له أكبر قدر ممكن من الخبرات التعليمية التي يحتاج فيها إلى اللغة العربية؟
فحين يقرأ المتعلم؛ ليعرف، ويستمع؛ ليفهم، ويتحدث؛ ليشارك، ويكتب: ليعبّر ويوظّف، ويتفاعل ليحقّق غرضًا، تتحوّل اللغة تدريجيًا من معلومات يعرفها إلى مهارات يوظّفها ويمارسها في مواقف حقيقية؛ لأنّ الغاية النهائية ليست أن يتحدّث المتعلّم عن العربية، وإنما أن يتحدّث ويقرأ ويكتب بها، ويفكّر من خلالها، ويتواصل مع الآخرين بواسطتها. وفي هذا تحديدًا يتجسّد الدور التربوي الحقيقي للانغماس اللغوي، ألا وهو: أن ينقل المتعلّم من تعلّم اللغة إلى معايشتها بوصفها أداةً للفهم والتواصل وبناء المعنى، ومن معرفة اللغة إلى استخدامها، ومن ممارسة الأنشطة اللغوية إلى امتلاك اللغة بوصفها أداة للتفكير والتواصل والحياة، فاللغة التي يتعلمها المتعلم قد يعرفها، أمّا اللغة التي يعيشها، ويستخدمها في مواقف حقيقية ذات معنى، فهي اللغة التي يستطيع أن يمتلكها. وهذا جلُّ ما نطمح إليه.
** **
- أستاذ المناهج وطرق التدريس في جامعة المدينة العالمية