ثامر الشهراني
زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تتجاوز في دلالاتها الزيارة السياسية التقليدية، فهي تأتي في مرحلة تعيد فيها المملكة صياغة موقعها في الاقتصاد العالمي، مستندة إلى قوة اقتصادية متنامية ورؤية واضحة لشراكاتها الدولية.
اقتصادياً، تأتي الزيارة في توقيت تواصل فيه المملكة تنفيذ مستهدفات رؤية 2030، والانتقال من مرحلة تأسيس المشاريع الكبرى إلى تعظيم عوائدها الاقتصادية، وتنويع مصادر النمو، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وتعزيز قدرة الاقتصاد السعودي على المنافسة عالمياً.
وتكتسب الشراكة السعودية الفرنسية أهمية خاصة، ففرنسا تمتلك خبرات متقدمة في قطاعات تتقاطع مع التحول السعودي، من الطاقة والنقل والصناعات المتقدمة إلى التقنية والسياحة والثقافة والبنية التحتية. وفي المقابل، تقدم المملكة سوقاً واسعة وفرصاً استثمارية ضخمة ومشروعات نوعية، ما يجعل العلاقة قائمة على مصالح متبادلة تتجاوز التجارة إلى بناء قيمة اقتصادية مستدامة.
القوة الاقتصادية السعودية اليوم لا تقوم على البحث عن التمويل، بل على امتلاك الفرص والقدرة على الاستثمار فيها. وهذا أحد التحولات الأساسية التي أوجدتها رؤية 2030؛ فالمملكة لم تعد تكتفي بجذب الشركات العالمية، وإنما تسعى إلى توطين التقنية والمعرفة، وتطوير سلاسل الإمداد، وتعزيز المحتوى المحلي، وتأهيل الكفاءات الوطنية، وتحويل المملكة إلى منصة اقتصادية إقليمية تربط الأسواق العالمية.
ومن هنا فإن الاستثمار الأجنبي لا يمثل غاية في حد ذاته، بل أداة لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعاً، وتعزيز القطاعات الجديدة، وخلق فرص العمل، ورفع تنافسية المملكة في الاقتصاد العالمي.
أما البعد الإستراتيجي للزيارة، فيتصل بقدرة الرياض على تنويع شراكاتها الدولية دون الارتهان لمحور واحد. فالمملكة تبني علاقاتها على المصالح المتبادلة والاحترام والاستقلالية في القرار، وتتحرك في عالم متعدد المراكز، تتنافس فيه القوى الكبرى على الطاقة والتقنية والاستثمارات وسلاسل الإمداد.
وضمن هذا السياق، تصبح الشراكات الاقتصادية جزءاً من منظومة القوة الوطنية. فكلما اتسعت شبكة العلاقات الاقتصادية والاستثمارية، ازدادت قدرة المملكة على حماية مصالحها، وتوسيع خياراتها، وتعزيز حضورها في الملفات الدولية.
اللافت أن الحضور السعودي في العواصم المؤثرة لم يعد بحثاً عن موقع في ترتيبات الآخرين، بل أصبح صناعة لمساحات مشتركة تخدم المصالح الوطنية. وهذا ما يمنح زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس بعدها السياسي؛ فهي تعكس دولة تعرف ما تريد، وتمتلك أدوات تحقيقه، وتتعامل مع الشراكات من موقع الندية والثقة.
وعليه، فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا تمثل محطة جديدة في مسار المملكة نحو اقتصاد أكثر تنوعاً وتأثيراً، وتؤكد أن الرياض لا تنظر إلى الاقتصاد باعتباره أرقاماً واستثمارات فقط، بل باعتباره أحد مصادر القوة والنفوذ وصناعة القرار.
إنها باختصار خطوة في مسار أوسع، تنتقل فيه السعودية من بناء الشراكات إلى توظيفها، ومن امتلاك القوة الاقتصادية إلى تحويلها إلى نفوذ استراتيجي يخدم مصالحها، ويعزز موقعها في عالم يتشكل على أسس جديدة.