ناصر بن فريوان الشراري
في قلب المعادلة التنموية الشاملة التي تشهدها المملكة العربية السعودية اليوم، لا يُقاس أثر البنية التحتية وحجمها بالمساحات العمرانية الممتدة فحسب، بل بمقدار قدرتها على الربط، والتيسير، وتسهيل التدفق البشري والاقتصادي، ومن هذا المنظور الإستراتيجي، تحتل محافظة القريات موضعاً جغرافياً لا شبيه له في المنظومة الوطنية، فهي ليست مجرد محافظة حدودية في أقصى الشمال، بل هي البوابة البرية واللوجستية الأولى التي تربط المملكة بدول الخليج العربي من جهة، وبأقطار بلاد الشام من جهة أخرى.
غير أن هذا الموقع الإستراتيجي الاستثنائي يصطدم بواقع جوي يتراجع كثيراً عن المأمول والضروري، وتتجلى في هذا السياق مفارقة تنموية تدعو إلى التوقف والتمحيص، فبينما يُحقّق مطار القريات المحلي (URY / OEGT) أداءً تشغيلياً متميزاً يتصدر به بانتظام الفئة الخامسة للمطارات المحلية بنسبة التزام تصل إلى 100% في كفاءة التشغيل وسرعة إجراءات السفر بحسب تقارير الهيئة العامة للطيران المدني (GACA)، يظل المطار ذاته يقدم رحلات محدودة لا تتناسب مطلقاً مع هذا النجاح التشغيلي، ولا مع الكثافة السكانية والجغرافية التي يخدمها.
إن قراءة واقعية لجدول الرحلات الحالي في مطار القريات تكشف عن انحصار تام للحركة الجوية في وجهتين اثنتين لا ثالث لهما:
العاصمة الرياض: بمعدل يقارب 23 رحلة أسبوعياً تتوزع بين الناقل الوطني (الخطوط السعودية) والناقل الاقتصادي (طيران أديل)، عروس البحر الأحمر (جدة): بنحو 6 رحلات أسبوعياً فقط عبر الخطوط السعودية، وأمام هذه الأرقام: كيف لمحافظة يرتبط الأهالي فيها بالبيت الحرام برباط الشوق والعبادة، وبتدفق مستمر للمعتمرين والزوار، أن تُدار الحركة الجوية منها وإليها نحو جدة بـ6 رحلات أسبوعياً لا تفي بالحد الأدنى من الاحتياجات الفعلية؟ وأين هي من الربط المباشر مع بقية أقاليم الوطن الحيوية؟ إن الغياب التام للرحلات المباشرة نحو العاصمة الاقتصادية بالمنطقة الشرقية (الدمام)، أو نحو وجهات السياحة والمصايف الوطنية كـأبها والباحة والمدينة المنورة، يفرض على المسافرين تكبد مشقة السفر البري الطويل أو الدخول في دوامة رحلات «الترانزيت» المنهكة عبر الرياض أو جدة. ولعل اللافت للنظر في المشهد التنموي المحلي، هو تضاؤل التفاؤل حول مشروع قديم استبشر به الأهالي، وهو تحويل مطار القريات إلى «مطار إقليمي» تتعدد فيه الوجهات وتتوسع معه آفاق الخدمة.
إن النظر إلى مطار القريات بوصفه «مطاراً محلياً اعتيادياً» لا يتلاءم مع الحركة البشرية واللوجستية في هذا الشريان، فالقريات تُشكل النقطة الحدودية باتجاه بلاد الشام (الأردن، سوريا، فلسطين)، وتشهد المنطقة حركة استثنائية وعابرة للحدود من أبناء الوطن والمقيمين والجاليات العربية في مختلف مناطق المملكة ودول الخليج، ممن يعتمدون النمط اللوجستي المركب: (شحن المركبة برياً إلى القريات، والسفر جواً عبر مطارها للانطلاق نحو دول الجوار)، هذا التداخل الديموغرافي والاقتصادي يمثل سوقاً استثمارياً واعداً وطائلاً للناقلات الجوية، ويضمن جدوى تشغيلية عالية لأي خط إضافي يتم استحداثه. إن الرؤية والتطلعات باتت واضحة، ونلخصها في مقترحات نضعها أمام أصحاب القرار في الهيئة العامة للطيران المدني والناقلات الوطنية:
تكثيف السعة المقعدية وزيادة الرحلات اليومية لخطوط الرياض وجدة لاستيعاب الطلب العالي في مواسم العمرة والإجازات.
استحداث خطوط مباشرة ومرحلية تربط القريات بالمنطقة الشرقية والمصايف الوطنية.
النظر باستراتيجية طموحة لفتح وجهات إقليمية دولية ذات طلب مرتفع مباشر (مثل مصر، ودول الخليج، وتركيا)، استثماراً لموقع المحافظة ومكانتها الحدودية.
إن توسيع خيارات السفر من القريات وإليها ليس مجرد مطلب خدمي، بل هو استثمار اقتصادي ناجح، وترجمة حقيقية لمستهدفات رؤية المملكة 2030 في ربط كافة أطراف الوطن.