د.عبدالله الفايز
مع التطور الكبير الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، وما تشهده من نهضة حضارية وفكرية، وارتفاع في مستوى الوعي العلمي والثقافي لدى المجتمع، والمشاريع الكبرى والترفيهية، يبدو أن مستوى كثير من المحطات والبرامج الإذاعية السعودية لم يواكب هذا التطور بالقدر المطلوب، وما زالت بعض البرامج تعتمد على أنماط تقليدية ظلت حاضرة منذ عقود، من الفوازير والمسابقات والمناقشات العامة والحوارات التي يديرها مذيعون أو متحدثون لا يمتلك بعضهم بالضرورة الخبرة المتخصصة الكافية في مجالات التوعية والتثقيف وصناعة المعرفة. أو مقدمي برامج بالإنجليزية من الهند وبلكنة إنجليزية غير واضحة، وكأنه لا يوجد سعوديون!! ولا تكمن المشكلة في الترفيه أو البرامج الخفيفة بحد ذاتها، فهي جزء مهم من الإعلام، وإنما في غياب التوازن بين الترفيه والتغذية الفكرية والثقافية. فكثير من البرامج تكتفي باستضافة أفراد من العامة وطرح آرائهم حول قضايا مختلفة، دون أن يتبع ذلك نقاش علمي أو تصحيح أو توجيه بناء من مختصين. لقد فقدنا إلى حد كبير ما يمكن تسميته بالتسلية الفكرية؛ أي البرامج التي تجمع بين المتعة والمعرفة، وتقدم محتوى عميقاً ومدروساً ومخططاً له وفق إستراتيجية إعلامية وتوعوية وثقافية واضحة. فالمستمع لا يحتاج دائماً إلى برنامج جاد ومباشر، لكنه يحتاج إلى محتوى يجعله يستمتع وفي الوقت نفسه يتعلم، ويفكر، ويعيد النظر في بعض أفكاره، ويخرج من البرنامج بمعلومة جديدة أو رؤية مختلفة. ومن هنا، فإن المرحلة الحالية التي تعيشها المملكة تستدعي إعادة النظر في فلسفة الإذاعة ومحتواها، بحيث لا تقتصر مهمتها على الترفيه وتمضية الوقت، بل تصبح شريكاً في بناء الإنسان السعودي الواعي والمتعلم والمثقف. ويمكن للإذاعة أن تقدم برامج متخصصة في الاقتصاد، والتقنية، والذكاء الاصطناعي، والعلوم، والصحة، والتخطيط الحضري، والبيئة، والثقافة، والتاريخ، والقضايا الاجتماعية، وريادة الأعمال، والتعليم، مع إشراك المتخصصين والمفكرين والأكاديميين والممارسين، وتقديم هذه الموضوعات بأسلوب جذاب بعيد عن التعقيد الأكاديمي. إن الإذاعة، خصوصاً في عصر التحول الوطني والرقمي، ليست مجرد صوت يرافق المواطن أثناء قيادته للسيارة، بل يمكن أن تكون جامعة مفتوحة ومتنقلة تصل إلى ملايين المستمعين يومياً. ولذلك فإن تطوير محتواها ينبغي أن يكون جزءاً من إستراتيجية وطنية أوسع لبناء الوعي والمعرفةبحيث يتحول وقت الازدحام من وقت ضائع إلى فرصة للتعلم والتفكير والتثقيف، وتتحول البرامج الإذاعية من مجرد وسيلة لقتل الوقت إلى وسيلة لاستثماره.
مع التطور الكبير الذي تعيشه المملكة العربية السعودية، وما تشهده من نهضة حضارية واقتصادية وفكرية وعلمية متسارعة، ومشاريع رائدة وترفيهية وما صاحب ذلك من ارتفاع واضح في مستوى الوعي المجتمعي والثقافي والعلمي، أعتقد أن الوقت قد حان لإعادة النظر بصورة جادة في مستوى ومحتوى المحطات الإذاعية السعودية، ولا سيما البرامج التي يستمع إليها المواطن يومياً في ساعات الصباح وأثناء ذهابه إلى العمل وفترات الازدحام المروري، وهي ساعات طويلة تمثل فرصة ثمينة للتأثير الإيجابي في وعي المجتمع وتغذيته فكرياً وثقافياً وعلمياً. ومع الأسف، يبدو أن جزءاً كبيراً من المحتوى الإذاعي ما زال يعيش في نمط برامجي قريب مما كان سائداً منذ عقود، حيث تتركز بعض البرامج على الفوازير والمسابقات والمداخلات العامة والحوارات العابرة، أو لقاءات يديرها مذيعون ومتحدثون قد لا يمتلكون دائماً الخلفية العلمية أو التخصصية التي تمكنهم من تحويل الحوار إلى مادة توعوية أو معرفية ذات قيمة. وليس المقصود التقليل من أهمية الترفيه أو التواصل مع الجمهور، فالإذاعة بطبيعتها تحتاج إلى الترفيه والخفة، ولكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الترفيه هو الغالب، بينما تتراجع البرامج التي تقدم المعرفة والتحليل والتثقيف والتوجيه بصورة منهجية ومدروسة.
وعند النظر إلى التجارب الدولية، نجد أن كثيراً من الدول المتقدمة لا تنظر إلى الإذاعة باعتبارها مجرد وسيلة لملء ساعات البث أو تقديم التسلية، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة الإعلام العام والتثقيف المجتمعي. ففي بريطانيا، على سبيل المثال، استطاعت هيئة الإذاعة البريطانية BBC أن تجعل البرامج الإذاعية مساحة للتثقيف والتحليل العلمي والثقافي والسياسي إلى جانب الترفيه، بحيث يستطيع المستمع أن يجد برامج متخصصة في العلوم والتاريخ والاقتصاد والتكنولوجيا والصحة والمجتمع والفنون. وفي الولايات المتحدة توجد تجارب إذاعية عامة مثل NPR تقدم مساحات واسعة للأخبار والتحليل والعلوم والثقافة والشؤون العامة، مع الاعتماد على متخصصين ومصادر متعددة بدلاً من الاكتفاء بالمحادثات العامة. وفي أستراليا وكندا وألمانيا ودول شمال أوروبا نجد كذلك نماذج للإذاعة العامة التي تجمع بين الترفيه والتثقيف والمعلومات والتحليل، وتتعامل مع المستمع باعتباره مواطناً يحتاج إلى المعرفة وليس مجرد متلقٍ يبحث عن التسلية.
والفرق المهم هنا ليس بالضرورة في الإمكانات التقنية، فالمملكة تمتلك اليوم إمكانات إعلامية وتقنية وبشرية أكبر بكثير مما كانت عليه في الماضي، وإنما في فلسفة إعداد المحتوى. فالمحطة الإذاعية الحديثة يمكن أن تتحول إلى جامعة مفتوحة للمواطن، خصوصاً في ساعات القيادة والعمل، حيث يكون ملايين الأشخاص داخل سياراتهم يومياً، ويقضون أوقاتاً طويلة في الطرق. وهذه الساعات يمكن أن تتحول من وقت ضائع بسبب الازدحام إلى وقت للتعلم والتفكير واكتساب المعرفة. فبدلاً من أن يستمع المواطن طوال فترة الطريق إلى نقاشات عفوية أو أسئلة عامة أو برامج ترفيهية متكررة، يمكن أن يستمع إلى برامج قصيرة وعميقة ومدروسة تقدم له معلومة جديدة، أو تشرح له قضية اقتصادية، أو تناقش تطوراً علمياً، أو ترفع وعيه بالبيئة، أو تعرفه بتخصصات المستقبل، أو تساعده على فهم التحولات التي تمر بها المملكة والعالم. وهنا يمكن للإذاعة السعودية أن تستفيد من المرحلة التاريخية التي تمر بها المملكة في ظل رؤية السعودية 2030، لأن التحول الوطني الكبير لا يحتاج فقط إلى مشاريع وبنية تحتية وتقنيات جديدة، وإنما يحتاج أيضاً إلى مواطن أكثر معرفة ووعياً وقدرة على فهم التحولات والمشاركة فيها. ولذلك فإن الإعلام، وبالأخص الإعلام اليومي الذي يصل إلى الناس بصورة مباشرة، ينبغي أن يكون جزءاً من منظومة بناء الإنسان، وليس مجرد وسيلة للترفيه.
والإذاعة تحديداً تمتلك ميزة لا تتوافر بالدرجة نفسها في كثير من وسائل الإعلام الأخرى؛ فهي ترافق الإنسان أثناء القيادة، وفي المنزل، وفي العمل، ولا تتطلب منه النظر إلى شاشة. ولذلك فإن ساعات الصباح والعودة من العمل تمثل فرصة إعلامية وتثقيفية هائلة يمكن استثمارها بصورة أفضل. ويمكن أن تكون هناك مثلاً برامج صباحية قصيرة يقدمها أستاذ جامعي أو طبيب أو مهندس أو اقتصادي أو عالم أو متخصص في علم النفس والاجتماع، يتناول كل منهم موضوعاً محدداً لمدة عشر أو خمس عشرة دقيقة، ولكن بطريقة مبسطة وعميقة في الوقت نفسه. ويمكن أن تكون هناك فقرة يومية بعنوان «معلومة تغير تفكيرك»، وأخرى عن الاقتصاد، وأخرى عن مستقبل الوظائف، وأخرى عن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والروبوتات، وأخرى عن التاريخ السعودي، وأخرى عن البيئة والمياه والطاقة، وأخرى عن المدن والنقل، وأخرى عن التربية والأسرة، وأخرى عن الصحة النفسية والجسدية، وأخرى عن الثقافة والفنون. كما يمكن تطوير فكرة البرامج الحوارية نفسها. فالمشكلة ليست في استضافة المواطن أو إعطائه فرصة للتعبير عن رأيه، بل في أن يطرح الرأي ثم ينتهي الحوار دون تصحيح أو تحليل أو إثراء. من الأفضل أن تكون هناك برامج تستمع إلى آراء الناس ثم تستضيف المختص لتفسيرها وتصحيح المعلومات الخاطئة فيها وإضافة البعد العلمي إليها. وبهذا تتحول المشاركة الشعبية من مجرد «مداخلة» إلى مادة تعليمية جماهيرية. فالمواطن قد يقول رأياً غير دقيق، وهذا أمر طبيعي، لكن دور الإعلام التوعوي ليس فقط أن يمنحه الميكروفون، وإنما أن يساعده والمستمعون الآخرون على الوصول إلى المعلومة الصحيحة.
كما أن المملكة تمتلك نخبة كبيرة من الأكاديميين والمتخصصين والباحثين والخبراء في الجامعات والقطاع الحكومي والخاص، ويمكن استثمار هذه الثروة البشرية بصورة أكبر في الإعلام الإذاعي. ومن المؤسف أن يبقى كثير من هؤلاء داخل الجامعات ومراكز الأبحاث، بينما يظل المستمع العادي يتلقى أحياناً معلومات عامة من أشخاص لا يمتلكون التخصص الكافي. المطلوب ليس تحويل الإذاعة إلى محاضرات أكاديمية مملة، وإنما تحويل المعرفة المتخصصة إلى محتوى إعلامي جذاب ومفهوم لعامة الناس. وهذا يتطلب أيضاً تدريب المذيعين أنفسهم. فالمذيع الحديث لا ينبغي أن يكون مجرد صاحب صوت جميل أو قدرة على إدارة الحوار، بل يحتاج إلى مهارات البحث والتحقق من المعلومات، وفهم أساسيات الموضوع الذي يناقشه، والقدرة على طرح الأسئلة العميقة، والتمييز بين الرأي والمعلومة، واستضافة الشخص المناسب في الوقت المناسب. وفي الدول التي نجحت في تطوير الإعلام العام، أصبح المذيع جزءاً من عملية إنتاج معرفية متكاملة تضم الباحث والمحرر والمختص والمخرج والمنتج، وليست مجرد علاقة بين مذيع وضيف.
ومن المهم كذلك ألا نفهم التثقيف الإذاعي على أنه وعظ مباشر أو خطاب رسمي. المواطن اليوم أكثر وعياً وتعليماً، ولذلك يحتاج إلى محتوى ذكي ومحايد وعميق يحترم عقله، ويعرض له الحقائق والآراء المختلفة، ويترك له مساحة التفكير والاستنتاج. يمكن أن يكون البرنامج ممتعاً ومثيراً في الوقت نفسه الذي يكون فيه علمياً وثقافياً. فالتسلية ليست عكس الثقافة، والمشكلة ليست في الترفيه، وإنما في أن يصبح الترفيه بديلاً عن المعرفة. وقد تكون المملكة بحاجة إلى إستراتيجية وطنية جديدة للإذاعة، لا تركز فقط على عدد البرامج وساعات البث ونسب الاستماع، وإنما تقيس القيمة المعرفية والاجتماعية للمحتوى. ويمكن مثلاً قياس مقدار المحتوى العلمي والثقافي والتوعوي، ونسبة مشاركة المتخصصين، وجودة المصادر، ومدى تنوع الموضوعات، وتأثير البرامج في الوعي المجتمعي، ورضا المستمعين، وحتى قدرتها على تصحيح المعلومات الخاطئة ونشر المعرفة العلمية. وفي عصر المنصات الرقمية، لا ينبغي أن تتوقف الإذاعة عند البث التقليدي. فالبرنامج الإذاعي يمكن أن يتحول في الوقت نفسه إلى بودكاست، ومقاطع قصيرة، ومحتوى مرئي، ونشرات معرفية، ومنصة تفاعلية، بحيث يصل المحتوى نفسه إلى المواطن في السيارة والهاتف والمنزل ومواقع التواصل. وهنا يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي والتحليلات الرقمية لمعرفة الموضوعات التي يهتم بها الجمهور، وتحديد أوقات الاستماع، وتقييم المحتوى، واقتراح موضوعات جديدة، مع المحافظة على الدور البشري في التحرير والتحقق والمسؤولية الإعلامية.
إن ما تحتاجه الإذاعة السعودية، في تقديري، ليس إلغاء البرامج الترفيهية أو منع المداخلات الشعبية، وإنما إعادة التوازن بين الترفيه والمعرفة، والانتقال من مفهوم «إذاعة تملأ وقت المستمع» إلى مفهوم «إذاعة تستثمر وقت المستمع». فالفرق كبير بين أن يخرج المواطن من رحلته اليومية وقد أمضى ساعة أو ساعتين في الاستماع إلى أحاديث عابرة، وبين أن يخرج منها وقد تعلم فكرة جديدة، وفهم قضية اقتصادية، أو عرف تقنية حديثة، أو اكتسب معلومة صحية، أو تعرف على تاريخ بلاده، أو أعاد التفكير في قضية اجتماعية. وفي مرحلة التحول الكبرى التي تعيشها المملكة، أصبحت صناعة الإنسان الواعي والمثقف والقادر على فهم المستقبل لا تقل أهمية عن صناعة المدن والمشاريع والتقنيات. ولذلك فإن الإذاعة يمكن أن تكون أحد أهم الأدوات الوطنية غير المستغلة بالشكل الكافي في بناء الوعي العام. وقد يكون من المفيد أن نبدأ التفكير في «الإذاعة الذكية» التي لا تكتفي بالبث، وإنما تعمل كمنصة وطنية للمعرفة والتثقيف والتحليل والترفيه الراقي، وتستفيد من خبرات الجامعات والمراكز البحثية والخبراء والمختصين، وتوظف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي للوصول إلى محتوى أكثر دقة وعمقاً وتأثيراً.
إن المواطن السعودي اليوم يعيش في دولة تتغير بسرعة، ومشاريعها واقتصادها ومدنها وتقنياتها وعلاقاتها الدولية تتطور بصورة غير مسبوقة. ومن غير المنطقي أن تتطور البيئة الاقتصادية والعمرانية والتكنولوجية بهذا التسارع بينما يبقى جزء من المحتوى الإذاعي أسير أنماط إعلامية تقليدية. نحن بحاجة إلى إذاعة تواكب السعودية الجديدة؛ إذاعة تفكر مع المواطن، وتعلمه، وتناقشه، وتستمع إليه، وتصحح له، وتفتح أمامه آفاق المستقبل، وتقدم له الترفيه الراقي إلى جانب المعرفة العميقة. وعندها لن تكون ساعات الازدحام المروري مجرد مشكلة، بل يمكن أن تتحول إلى واحدة من أكبر الفرص اليومية لبناء مجتمع أكثر وعياً وثقافة وقدرة على المشاركة في صناعة مستقبل المملكة.