صالح الشادي
يُثير الخبز الأبيض نقاشاً واسعاً في الأوساط الغذائية والصحية، يتخلله تضارب بين توصيات الخبراء وانتشار المعلومات المغلوطة على منصات التواصل، والتي تتراوح بين وصفه بأنه مادة شبه سامة وبين الادعاءات غير الموثقة بحظر تداوله في دول متقدمة. ويتطلب تقييم هذا الموضوع تجاوز السرديات العاطفية إلى قراءة موضوعية تستند إلى الحقائق العلمية والمنطق الاستقرائي، بعيداً عن التعميمات المطلقة التي لا تخدم الوعي الصحي بقدر ما تكرس القلق غير المبرر.
من منظور الكيمياء الحيوية للأغذية، يُنتج الخبز الأبيض من دقيق القمح المكرر، وهي عملية يزال فيها كل من النخالة (الطبقة الخارجية الغنية بالألياف والمعادن) وجنين القمح (المحتوي على الدهون غير المشبعة والفيتامينات الذائبة).
والنتيجة هي حبيبات نشا دقيقة تخلو عملياً من الألياف، ويتحول هضمها إلى عملية إنزيمية سريعة في الأمعاء الدقيقة، مما يؤدي إلى ارتفاع سريع في مستويات الغلوكوز البلازمية.
هذا الارتفاع يستتبع استجابة إنسولينية مكثفة تعمل على خفض السكر بشكل قد يتجاوز المعدل الطبيعي، ما يفسر الشعور بالجوع المتكرر وهبوط الطاقة بعد ساعات قليلة من تناوله. وقد أظهرت الدراسات الوبائية الرصدية ارتباطاً بين الاستهلاك المنتظم للأغذية ذات المؤشر الغلايسيمي المرتفع، ومنها الخبز الأبيض، وزيادة احتمالية تطور الاضطرابات الاستقلابية كالسمنة المركزية ومقاومة الأنسولين واختلال الشحوم الثلاثية، غير أن هذه الدراسات تشير إلى علاقة ارتباط إحصائي لا تفيد حتماً بالسببية المباشرة، إذ تتداخل عوامل غذائية ونمط حياة متعددة يصعب عزل تأثيرها في التصاميم الرصدية.
وفي شأن الادعاءات المتعلقة بمنع الدول له، يبرز هنا الدور الحاسم للمعايير العلمية في تمييز الحقائق. فبمراجعة التشريعات الغذائية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وتركيا، لا يوجد أي نص قانوني يحظر إنتاج أو بيع الخبز الأبيض، بل هو متاح في كافة منافذ البيع كخيار استهلاكي روتيني.
وهذا الواقع لا يعني تجاهل الدراسات التي تشير إلى تفوق خبز الحبوب الكاملة من الناحية الغذائية، بل يعكس نهجاً تشريعياً يقوم على مبدأ «توفير البدائل والتوعية» بدلاً من «الحظر القسري». فالدول التي تتبنى سياسات صحية صارمة، كالسويد والنرويج، تميل إلى فرض اشتراطات إثراء إلزامية على الدقيق الأبيض، كإعادة إضافة حمض الفوليك والحديد وبعض فيتامينات ب المركبة، لتعويض الفاقد الغذائي الناتج عن التكرير، وهو حل وسطي يحافظ على خصائص الخبز التقليدية مع الحد من تداعيات نقص العناصر الدقيقة، علاوة على أن الحظر الكامل لمنتج غذائي واسع الانتشار يشكل تحدياً اقتصادياً واجتماعياً، بالنظر إلى تكامل سلاسل الإنتاج الزراعي والطحن مع تفضيلات المستهلكين الراسخة في مختلف الثقافات، مما يجعل سياسة المنع غير عملية من منظور إداري واستجابة جماهيرية.
من هنا، فإن النظرة المنطقية لمسألة الخبز الأبيض تستلزم وضعها ضمن السياق الكلي للنظام الغذائي وليس بمعزل عنه. فالتأثير السلبي لا ينشأ من استهلاك شريحة أو اثنتين في وجبة متوازنة، بل من جعل هذا النوع المصدر المهيمن للكربوهيدرات في غياب الألياف والبروتينات والخضروات.
ويمكن تشبيه وضعه بغيره من الأطعمة المعالجة؛ إذ يظل مؤشر خطورته نسبياً، يعتمد على وتيرة التناول، والحجم الكلي للسعرات الحرارية، ومستوى النشاط البدني للفرد، وحتى التركيب الجيني الذي يحدد استجابته الأيضية تجاه الغلوكوز. وعليه، فإن تحويل هذا الخبز إلى «ممنوع» في الوعي الجمعي لا يمثل قراءة علمية متزنة، بقدر ما هو تبسيط مفرط يحجب عن العامة إدراك المبدأ الأساسي في التغذية، وهو أن جودة النظام الغذائي تُقاس بتنوع مكوناته ونسبة الألياف والفيتامينات الكلية التي يحصل عليها الجسم، وليس بمنع مادة غذائية معينة في غياب دلائل على سميتها المباشرة. وفي النهاية، يبقى الخيار الأكثر استنارة هو التوجه التدريجي نحو الحبوب الكاملة لما لها من كثافة غذائية أعلى، مع الاحتفاظ بإمكانية تناول الخبز الأبيض في حدود معقولة، دون إضفاء قداسة أو تحريم على ما هو في حقيقته مجرد طعام فقد جزءاً من قيمته أثناء عملية التصنيع، لكنه ما زال بعيداً عن كونه سبباً وحيداً لأمراض العصر كما يُروج له أحياناً.