محمد بن عبدالله آل شملان
بفضل الله وتوفيقه، عاد الفارس إلى قواعده، لتهبط الطائرة وتستريح الأجنحة بعد أن نقشت في كبد السماء ملحمة استثنائية من العزم والشغف.
في يوم 13 أغسطس، استقبل مطار فينر نويشتادت في النمسا الكابتن الطيار مشعل بن فهد السديري، ليدخل طائرته مرحلة الصيانة المستحقة، معلناً ختام مغامرته التاريخية المهيبة التي مضى فيها خلف حلمه «إلى حيث لا تغيب شمس الصيف».
لم تكن هذه الرحلة مجرد عبور عابر بين القارات، بل كانت نبضاً حياً من الإصرار صاغه طيار سعودي حمل طموحه وطناً في قلبه، وحلق به عبر أرجاء المعمورة. هذا الإنجاز الفريد لم يكن ليرى النور لولا الدعم اللامحدود والرعاية الكريمة التي توليها القيادة الرشيدة -أيَّدها الله- لأبناء الوطن، حيث يشكِّل هذا التمكين الدافع الأكبر لشباب ورجالات المملكة لركوب الصعاب ورفع راية التوحيد خفاقة في المحافل الدولية كافة، تجسيداً لطموح رؤية المملكة التي لا تعرف المستحيل.
على مدار 30 يوماً متواصلة من التحدي والترقب، خاض البطل 27 رحلة جوية، محلقاً لمدة 116 ساعة طيران عانق فيها الرياح، وتحدى المسافات، واجتاز وعورة المسارات وتغيرات الطقس، مدفوعاً بعزيمة لا تلين ويقين لا يتزعزع بتوفيق الله.
انطلقت هذه الحكاية الملهمة من قلب العاصمة الرياض، لتبدأ الطائرة صعودها المتسامي نحو أقاصي الأرض. لم تقف في طريقها حدود، ولم تثنِ من عزيمة قائدها وحشة الطريق، حتى بلغت الرحلة ذروة مجدها بالوصول إلى بوينت بارو في ألاسكا، أقصى شمال القارة الأمريكية.
هناك، حيث تتماهى الحدود ويصبح الأفق شاهداً على إنجاز سعودي فريد، وتشرق شمس الصيف دون غياب، كان الكابتن مشعل يوثِّق تلك اللحظات الساحرة من قمرة قيادته واصفاً: «جمال جبال السحاب فوق المحيط الهادئ والبراكين المكسوة بالثلوج وشمس منتصف الليل»، معبراً عن شغفه اللامحدود بالوصول إلى أقصى الأرض حين قال مؤكداً عزمه: «متوكلاً على الله في أشد مراحل الرحلة تحدياً».
لم تخلُ الرحلة من لحظات حبست الأنفاس، خاصة عند: «عبور الأطلسي والهبوط وسط ظروف جوية صعبة وانعدام الرؤية حتى لحظات النهاية»، لكن الإيمان الراسخ كان البوصلة الحقيقية التي قادت الطائرة وأجنحتها. فالكابتن مشعل لم يرَ في هذه المغامرة مجرد جولة سياحية، بل كان يؤمن دوماً بأن: «الرحلة تتجاوز كونها مغامرة عادية، بل هي خطوة ضمن مسار طويل لا ينتهي». وبعد أن حقق المبتغى وسجل التاريخ اسم هذا الوطن في تلك البقاع النائية، عاد بحفظ الله ورعايته إلى القارة الأوروبية، ليرسو في محطته الأخيرة بالنمسا، ليلهج لسانه بالحمد والثناء قائلاً: «رحلة انتهت... وبقي أثرها في النفس. اللَّهم إني أحمدك على كل لحظة فيها، وعلى كل ميل قطعته، وعلى كل سماء عبرتها، وكل إقلاع وهبوط سلمتني فيه. اللَّهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا».
تثبت لنا قصة الكابتن مشعل بن فهد السديري -الذي بدأ رحلته في عالم الطيران الفعلي وهو في الثانية والخمسين من عمره- أن العمر مجرد رقم، وأن القلوب النابضة بالشغف لا تشيخ أبداً. إنها رسالة ملهمة لكل طامح بأن المستحيل يتبدد أمام قوة الإرادة وحسن التوكل على الله، في ظل وطن يقدِّر المبدعين ويدعم المتميزين.
لقد انطوت صفحة هذه الرحلة الفريدة كأرقام وساعات طيران، لكن أثرها سيبقى حيَّاً في ذاكرة الطيران السعودي والعالمي؛ منارة تضيء للأجيال القادمة وتؤكد أن ابن هذا الوطن، وبفضل رعاية قيادته، إذا طمح حلَّق، وإذا حلَّق وصل إلى أبعد مدى، تاركاً في سماء المجد بصمة فخر لا يمحوها الزمن.