د. عيسى محمد العميري
لم تعد الأزمات اليوم التي يشهدها العالم والمنطقة مجرد أحداث عابرة يمكن التعامل معها عند وقوعها، بل أصبحت جزءاً من واقع دولي متغيِّر تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية والبيئية. ومن هنا تبرز أهمية الجاهزية الوطنية باعتبارها سياسة استباقية تحمي الدولة ومقدراتها، وتمنح المجتمع قدرة أكبر على تجاوز الظروف الاستثنائية بأقل قدر ممكن من التأثيرات. وفي هذا السياق، أثبتت دولة الكويت خلال السنوات الماضية أن الاستعداد لمواجهة الأزمات لم يعد خياراً، وإنما أصبح ضرورة وطنية تفرضها طبيعة موقع الكويت الجغرافي وحساسية المنطقة التي تقع فيها، إضافة إلى اعتمادها على منظومات حيوية مثل الطاقة والمياه والغذاء والاستيراد والموانئ والممرات البحرية. وقد عزَّزت الدولة اهتمامها بالأمن الغذائي والمائي والدوائي، من خلال منظومات وإستراتيجيات تشارك فيها جهات حكومية متعددة، بما يعكس إدراكاً مبكراً لأهمية الاستعداد للظروف الطارئة. والجاهزية الوطنية لا تعني الاستعداد الأمني والعسكري فقط، على أهميته، وإنما تشمل منظومة متكاملة تبدأ من حماية المنشآت الحيوية واستمرارية الكهرباء والمياه، وتمتد إلى تأمين الغذاء والدواء، وضمان استمرار الاتصالات والنقل والخدمات الصحية، وتأمين سلاسل الإمداد، ووضع خطط واضحة للتعامل مع أي اضطرابات مفاجئة. ولعل الظروف الإقليمية الراهنة تؤكد أهمية هذا النهج. فالتوترات السياسية والأمنية يمكن أن تؤثِّر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حركة التجارة وأسعار الطاقة وسلاسل التوريد، ولذلك فإن الدولة التي تمتلك مخزونات إستراتيجية وخططاً بديلة ومصادر متعددة للإمدادات تكون أكثر قدرة على حماية مواطنيها واقتصادها. وفي الكويت، يمثِّل الأمن الغذائي والمائي أحد المحاور المهمة في منظومة الصمود الوطني. وقد وضعت الدولة إستراتيجية تتضمن ركائز ومبادرات للأمن الغذائي والدوائي والمائي، بهدف ضمان وصول السكان إلى الاحتياجات الأساسية في مختلف الظروف، بما فيها حالات الطوارئ. كما أن الاهتمام بالابتكار والزراعة الذكية وتقنيات المياه والحلول الرقمية يمثِّل اتجاهاً مهماً نحو بناء قدرة وطنية مستدامة، وهو ما تؤكده برامج حديثة لدعم الابتكار الكويتي في مجالات الأمن الغذائي والمائي. ومن المهم أيضاً أن تكون الجاهزية مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمجتمع. فالمواطن الواعي الذي يلتزم بالترشيد، ويتجنب التخزيالمبالغ فيه، ويتعامل مع المعلومات الرسمية بمسؤولية، ويسهم في الحفاظ على الموارد، يمثِّل شريكاً أساسياً في منظومة الأمن الوطني. إن الكويت تمتلك مقومات كبيرة تمكنها من تعزيز نموذج وطني متقدم في إدارة الأزمات، سواء من خلال قدراتها المالية أو بنيتها التحتية أو خبراتها الحكومية أو علاقاتها الدولية. والمطلوب هو مواصلة تطوير هذه المنظومة، وتحديث الخطط بصورة مستمرة، وإجراء التدريبات والاختبارات الدورية، والاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالمخاطر وإدارة الموارد واتخاذ القرار. إن الجاهزية الوطنية ليست تشاؤماً ولا تعني انتظار الأزمة، بل هي تعبير عن الثقة بالدولة وحرصها على حماية حاضر الكويت ومستقبلها. وكلما استعدت الدولة للأزمات قبل وقوعها، أصبحت أكثر قدرة على تحويل التحديات إلى فرص، وأكثر اطمئناناً إلى قدرتها على حماية المجتمع واستمرار التنمية مهما كانت الظروف. ومن هنا، فإن الاستثمار في الجاهزية الوطنية يجب أن ينظر إليه باعتباره استثماراً في أمن الكويت واستقرارها ومستقبل أجيالها، وأن يبقى العمل مستمراً لبناء دولة قادرة على مواجهة المتغيرات بثقة وثبات، والمحافظة على مكتسباتها الوطنية في أصعب الظروف. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي