د. أحمد محمد القزعل
في طفولة الإنسان شيءٌ لا يشبه الطفولة؛ شيءٌ يتجاوز اللعب والبراءة، ويصنع في أعماقه البدايات الأولى لذلك الكائن الذي سيصبحه يومًا. فالطفولة ليست سنواتٍ تمضي وحسب، بل هي التربة التي تُلقى فيها بذور الفكر، والمهد الذي يتكوّن فيه الضمير، والمرآة الأولى التي يرى فيها الإنسان معنى الخير والجمال والرحمة.
في تلك السنوات البعيدة، حين كانت الأشياء صغيرة في أعيننا، كانت مشاعرنا كبيرة على نحوٍ لا ندركه. كانت ابتسامة الأم وطنًا، وصوت الأب أمانًا، ويد الجدّ حكايةً دافئة تمتد من الماضي إلى المستقبل. كنا نفرح بأبسط الأشياء، ونحزن لأسباب قد تبدو للكبار تافهة، غير أن أرواحنا الصغيرة كانت تتعامل معها بصدقٍ كامل؛ فلا تعرف التصنع، ولا تجيد إخفاء مشاعرها، ولا تضع بين القلب والحياة حواجز كثيرة.
ومن هنا تبدأ طفولة الفكر، فالعقل في بداياته يشبه نافذةً مفتوحة على العالم؛ كل ما يمرّ بها يترك أثرًا، وكل كلمة تُقال أمام الطفل قد تصبح حجرًا في بناء شخصيته. إن الطفل لا يتعلم من المواعظ وحدها، بل يتعلم من الوجوه، ومن طريقة الحديث، ومن معاملة الضعيف، ومن احترام الكبير، ومن الاعتذار عند الخطأ، ومن اليد التي تمتد بالعطاء دون انتظار مقابل.
ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن نقدمه للطفل ليس كثرة الأوامر، بل نموذجًا طيبًا يراه أمامه. فإذا رأى الصدق في البيت، نما الصدق في قلبه. وإذا رأى الرحمة، تعلّم الرحمة. وإذا رأى احترام الإنسان للإنسان، عرف أن قيمة المرء ليست في ماله ولا في مظهره، وإنما في خلقه وأثره وما يحمله قلبه من خير.
ثم يأتي ميلاد الضمير، ذلك الصوت الخفي الذي لا يراه أحد، لكنه يسكن أعماق الإنسان، ويهمس له حين يخطئ: كان ينبغي أن تفعل غير ذلك. ويطمئن إليه حين يحسن: لقد أحسنت. والضمير لا يولد فجأة عندما يبلغ الإنسان سنًّا معينة، بل ينمو معه شيئًا فشيئًا، من موقف صغير إلى موقف أكبر، ومن كلمة صادقة إلى اعتذار صادق، ومن دمعةٍ سببها ظلم الآخرين إلى فرحةٍ سببها إسعاد إنسان. إنه يتشكل في تلك اللحظات التي يتعلم فيها الطفل أن هناك أشياء لا ينبغي أن نفعلها حتى لو لم يرنا أحد، وأن هناك خيرًا ينبغي أن نفعله حتى لو لم يشكرنا أحد. وهنا تكمن عظمة التربية الحقيقية؛ أن يتعلم الإنسان مراقبة قلبه قبل أن يخشى أعين الناس.
إن أجمل إنسان ليس بالضرورة من كثرت إنجازاته، ولا من علا صوته، ولا من امتلك من الدنيا أكثرها، وإنما هو من بقي في داخله شيءٌ من ذلك الطفل النقي الذي يعرف أن الكلمة الطيبة صدقة، وأن الرحمة قوة، وأن الاعتذار شجاعة، وأن جبر الخاطر عملٌ عظيم قد لا يظهر في دفاتر الحياة، لكنه يبقى محفوظًا في قلوب من مسّتهم يد الخير.
ومع مرور الأيام، تكبر أجسادنا، وتتسع معارفنا، وتتبدل أحلامنا، ونكتشف أن الحياة ليست دائمًا كما تخيلناها في طفولتنا. نتعلم أن بعض الوجوه تخفي خلف ابتسامتها تعبًا، وأن بعض الصمت أبلغ من الكلام، وأن الإنسان قد يحمل في صدره معارك لا يراها أحد. وعندها يبدأ الفكر بالنضج، لا حين يعرف الإنسان الكثير، بل حين يتعلم كيف يفهم الآخرين قبل أن يحكم عليهم.
فطفولة الفكر ليست جهلًا، وإنما هي البدايات الأولى للوعي؛ وميلاد الضمير ليس خوفًا من العقوبة، وإنما قدرة على اختيار الخير حين تكون أمام الإنسان فرصة لا يراه فيها أحد.
وما أجمل أن يكبر الإنسان دون أن يقتل الطفل الجميل في داخله؛ ذلك الطفل الذي كان يفرح للخير، ويصدق الكلمة، ويغفر بسرعة، ويمد يده للمحتاج دون أن يسأل عن اسمه أو مقامه. فالنضج الحقيقي ليس أن نفقد براءتنا، وإنما أن نحافظ على صفائها، ونضيف إليها حكمة التجربة.
إن الإنسان يمضي في الحياة حاملًا معه آثار طفولته، وإن ظن أنه نسيها. قد ينسى الألعاب والأماكن والأيام، لكنه لا ينسى تمامًا شعورًا منحته إياه أم، أو نصيحة تركها أب، أو موقفًا علّمه معنى الوفاء، أو يدًا امتدت إليه في لحظة ضعف. تلك التفاصيل الصغيرة هي التي تبني فينا إنسانًا يعرف كيف يحب، وكيف يعفو، وكيف يرحم.
ولعل أسمى ما يمكن أن يبلغه الفكر حين يكبر هو أن يعود إلى المعاني البسيطة التي عرفها القلب في طفولته: أن الخير خير، ولو كان قليلًا؛ وأن الصدق نجاة؛ وأن الرحمة لا تُضعف صاحبها؛ وأن الكلمة الطيبة قد تغيّر يومًا كاملًا في حياة إنسان؛ وأن أجمل ما يتركه المرء خلفه ليس ما جمعه، بل ما زرعه من طيب الأثر.
وهكذا، بين طفولة الفكر وميلاد الضمير، تبدأ رحلة الإنسان الحقيقية. رحلةٌ لا يكون فيها السؤال: ماذا أملك؟ وإنما: ماذا أصبحت؟ ولا يكون النجاح فيها أن يعرفني الناس، بل أن أعرف نفسي، وأرضى عنها حين أخلو إليها.
فطوبى لقلبٍ كبر ولم يقسُ، ولعقلٍ نضج ولم يتكبر، ولإنسانٍ اتسعت خبرته ولم تضق رحمته. وطوبى لمن ظل يحمل في داخله طفلًا يعرف أن الحياة، مهما أثقلتها الأيام، لا تزال تستحق ابتسامة، وكلمة طيبة، ويدًا تمتد بالخير.
فربما كان أعظم ميلادٍ للإنسان هو ذلك اليوم الذي يستيقظ فيه ضميره، ويبدأ قلبه في فهم ما لم تستطع السنوات وحدها أن تعلّمه: أن أجمل ما في الحياة أن نكون سببًا في أن تصبح حياة الآخرين أجمل.