أنس تشكالا
في حياة كل واحد منا طرق كثيرة لم يسلكها؛ أبواب وقفنا أمامها ثم اخترنا ألا نفتحها، وفرص مرّت بنا ولم نلتقطها، ومدن كان يمكن أن نعيش فيها، وتخصصات كان يمكن أن ندرسها، وأعمال كان يمكن أن نبدأها، وأشخاص كان يمكن أن تستمر معهم حكاياتنا بطريقة مختلفة. ومع مرور السنوات، لا تختفي هذه الاحتمالات تمامًا، بل قد تعود إلينا أحيانًا في لحظة هدوء، فتظهر في صورة سؤال بسيط لكنه ثقيل: ماذا لو اخترت الطريق الآخر؟
ربما كان ذلك السؤال من أكثر الأسئلة التي يستطيع الإنسان أن يرهق بها نفسه. فالحياة التي نعيشها واضحة أمامنا بكل تفاصيلها، أما الحياة التي لم نعشها فتظل جميلة في الخيال لأنها لم تُختبر.
نحن نعرف عيوب اختيارنا لأننا نعيش نتائجه كل يوم، لكننا لا نعرف عيوب الخيار الآخر؛ ولذلك يبدو لنا أحيانًا أكثر جمالًا مما كان سيكون عليه في الحقيقة. قد يتذكر شخص وظيفة رفضها قبل سنوات، ويتخيل نفسه اليوم في منصب أفضل وراتب أعلى وحياة أكثر راحة، وقد تتذكر فتاة جامعة لم تلتحق بها وتتخيل أن حياتها كانت ستصبح مختلفة لو درست فيها، وقد يفكر شخص في مدينة غادرها أو علاقة انتهت، ويتساءل كيف كان يمكن أن تكون حياته لو بقي هناك أو تمسك بذلك الشخص أكثر.
لكننا ننسى شيئًا مهمًا: نحن نقارن حياة حقيقية باحتمال خيالي. نرى في حياتنا الحالية التعب والقلق والأخطاء والفرص الضائعة، بينما نرى في الخيار الذي لم نختره أجمل نتائجه فقط. لا نرى الأيام الصعبة التي كان يمكن أن نعيشها هناك، ولا الأشخاص الذين كان يمكن أن نختلف معهم، ولا القرارات التي كان يمكن أن نندم عليها. نرى الصورة التي صنعها الخيال، لا الحياة التي كانت ستحدث بالفعل.
ولهذا فإن عبارة «لو أنني اخترت...» قد تكون خطيرة عندما تتحول من سؤال عابر إلى طريقة للنظر إلى الحياة. فكلما نظر الإنسان إلى الوراء، يستطيع أن يبني لنفسه عالمًا كاملًا من الاحتمالات: لو سافرت، لو درست، لو قبلت، لو رفضت، لو بقيت، لو رحلت، لو بدأت مبكرًا، لو لم أثق بذلك الشخص، لو اتخذت القرار الآخر. ومع كثرة هذه الـ«لو»، قد يصبح الإنسان غريبًا عن حياته التي يعيشها.
المشكلة ليست في مراجعة الماضي؛ فالتفكير في التجارب يساعدنا على التعلم، لكن الفرق كبير بين أن ننظر إلى الماضي لنتعلم منه، وأن ننظر إليه لنعيش فيه. الأول نضج، والثاني استنزاف. فالقرار الذي اتخذناه في الماضي لم يكن يُتخذ بعقلنا الحالي؛ كنا نملك وقتها معلومات مختلفة، وتجارب مختلفة، ومخاوف مختلفة، وربما ظروفًا لم تعد موجودة اليوم. ومن السهل جدًا أن نحاكم أنفسنا القديمة بعقل اكتسب خبرته من السنوات التي جاءت بعدها.
كم من قرار نظنه اليوم خاطئًا كان في ذلك الوقت أفضل قرار نستطيع اتخاذه بالمعلومات التي كانت لدينا؟ وكم من باب أغلقناه لأننا لم نكن مستعدين له؟ وكم من فرصة لم نأخذها لأننا كنا نحتاج إلى أن نكون أشخاصًا آخرين حتى نستطيع استغلالها؟ إن الإنسان لا يختار في فراغ؛ نحن نختار داخل ظروفنا، وفي مراحل معينة من حياتنا، وبقدر معين من الوعي والخبرة. ولذلك فإن بعض اختياراتنا لا ينبغي أن ننظر إليها بوصفها أخطاء مطلقة، بل بوصفها محطات صنعت الإنسان الذي أصبحنا عليه.
حتى الطريق الذي لم نصل فيه إلى ما أردناه قد يكون قد منحنا شيئًا آخر لم نكن نبحث عنه. قد نرفض وظيفة فنلتقي بسبب ذلك الرفض بشخص يغير حياتنا، وقد نفشل في دراسة معينة فنكتشف مجالًا آخر يناسبنا أكثر، وقد تنتهي علاقة كنا نظن أنها كل حياتنا، ثم نكتشف بعد سنوات أنها كانت مرحلة ضرورية حتى نفهم أنفسنا بصورة أفضل. الحياة لا تعمل دائمًا وفق الخطة التي نضعها لها، لكنها كثيرًا ما تمنحنا معنى في أماكن لم نكن نبحث فيها عنه.
ولهذا فإن الخيار الذي لم نختره ليس بالضرورة الخيار الأفضل؛ إنه فقط الخيار الذي لم نختبره. وهذه نقطة تستحق التأمل. فالإنسان قد يقضي وقتًا طويلًا في تخيل ما كان يمكن أن يحدث لو اختار طريقًا آخر، لكنه لا يستطيع أن يعرف الحقيقة؛ فالاحتمال لا يخضع للتجربة، وما لم يحدث لا يمكن التأكد من أنه كان سيجعلنا أكثر سعادة. ربما كنا سنحصل على وظيفة أفضل، لكننا كنا سنفقد أشخاصًا مهمين، وربما كنا سنعيش في مدينة أجمل، لكننا كنا سنشعر بوحدة أكبر، وربما كنا سنختار علاقة أخرى، لكننا كنا سنواجه مشكلات مختلفة. كل طريق يحمل ثمنه، وليس هناك طريق بلا ثمن.
وهنا تكمن إحدى مشكلات المقارنة؛ فنحن نرى مكاسب الطريق الآخر ولا نحسب تكاليفه. وفي عصر وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت هذه المشكلة أكثر وضوحًا؛ فكل يوم نرى أشخاصًا اختاروا طرقًا مختلفة: من سافر، ومن نجح، ومن بدأ مشروعًا، ومن تزوج، ومن اشترى بيتًا، ومن وصل إلى مكان نظن أننا كنا نريد الوصول إليه. وبسهولة شديدة يبدأ السؤال: ماذا لو كنت مكانه؟ لكننا لا نرى الصورة كاملة؛ نرى النتيجة ولا نرى السنوات التي سبقتها، نرى النجاح ولا نرى القلق، نرى السفر ولا نرى الوحدة، نرى الابتسامة ولا نرى ما حدث قبل التقاط الصورة. وقد يجعلنا هذا نشتاق إلى حياة لا نعرف عنها إلا واجهتها.
لذلك، ربما نحتاج أحيانًا إلى أن نتوقف عن سؤال: «ماذا كان سيحدث لو اخترت الطريق الآخر؟» وأن نسأل بدلًا من ذلك: «ماذا أستطيع أن أفعل بالطريق الذي اخترته؟» فالسؤال الأول يعيدنا إلى الماضي، أما الثاني فيعيدنا إلى الحياة. فنحن لا نملك تغيير القرار الذي اتخذناه، لكننا نملك شيئًا أهم: الطريقة التي نعيش بها نتائجه. قد لا نستطيع العودة إلى الجامعة التي لم ندرس فيها، أو الوظيفة التي لم نقبلها، أو المدينة التي تركناها، لكننا نستطيع أن نبني شيئًا جميلًا في المكان الذي نحن فيه الآن.
وربما لا يكون النضج في أن نقتنع بأن كل قرار اتخذناه كان صحيحًا، فهذا غير واقعي. النضج هو أن نتقبل أن بعض قراراتنا لم تكن الأفضل، ثم نواصل الحياة بدل أن نبقى أسرى لها. فالإنسان لا يحتاج إلى أن يحب كل ما حدث له حتى يستطيع أن يتقدم؛ يكفي أحيانًا أن يفهمه، ويتعلم منه، ثم يتركه في مكانه الطبيعي: الماضي.
وقد يكون من أصعب أشكال النضج أن تتخلى عن الحداد على حياة لم تعشها. هناك حياة أخرى تتخيلها في ذهنك؛ ربما كنت فيها أكثر نجاحًا، أو أكثر ثراءً، أو أكثر سعادة، أو أكثر شهرة. لكن هذه الحياة لم تكن لك إلا في الخيال. أما حياتك الحقيقية فهي التي بين يديك الآن. وإذا ظل الإنسان يبكي على كل طريق لم يسلكه، فلن يكون لديه وقت كافٍ للمشي في الطريق الذي اختاره.
وهذا لا يعني أن نتوقف عن تغيير مسارنا عندما نكتشف أنه لا يناسبنا؛ فالحياة ليست عقدًا يلزمنا بالبقاء في أول طريق اخترناه. يمكننا أن نغير تخصصًا، أو نترك عملًا، أو نبدأ مشروعًا جديدًا، أو ننتقل إلى مكان آخر، أو نعيد ترتيب أولوياتنا. لكن الفرق أن التغيير قرار حاضر، أما الندم فهو إقامة دائمة في الماضي. قد يكون تغيير الطريق شجاعة، وقد يكون البقاء فيه شجاعة أيضًا؛ المهم ألا يكون القرار نابعًا من مجرد مقارنة مستمرة بحياة لم نعشها.
ربما يكون أجمل ما يمكن أن نتعلمه هو أن نمنح اختياراتنا فرصة حقيقية. لا أن نسأل كل يوم إن كان هناك طريق أفضل، بل أن نحاول أن نجعل الطريق الذي اخترناه أفضل. فقد لا يكون السؤال: «هل اخترت الطريق الصحيح؟» هو السؤال الأهم، وربما يكون الأهم هو: «ماذا سأصنع بهذا الطريق؟» فالحياة ليست امتحانًا له إجابة واحدة صحيحة؛ كثير من الطرق يمكن أن تقود إلى أماكن جميلة، وكثير من الخيارات يمكن أن تتحول إلى فرص إذا أحسنّا التعامل معها. وقد لا يكون النجاح في العثور على الخيار المثالي، وإنما في تحويل الخيار المتاح إلى حياة ذات معنى.
وفي النهاية، سيظل في حياة كل إنسان خيار لم يختره، وباب لم يفتحه، وطريق لم يسلكه. وهذا طبيعي؛ فنحن لا نستطيع أن نعيش كل الاحتمالات، ولا يمكن للإنسان أن يكون في مكانين في الوقت نفسه، ولا أن يعرف نتيجة كل قرار قبل اتخاذه. لذلك لا تجعل الطريق الذي لم تختره يسرق منك الطريق الذي بين يديك.
قد تكون هناك حياة أخرى كان يمكن أن تعيشها، نعم، لكنها ليست حياتك. حياتك هي هذه التي أمامك الآن؛ بما فيها من اختيارات، وأخطاء، وفرص، وأشخاص، وأبواب لم تُفتح بعد. وربما لا نحتاج في نهاية الأمر إلى أن نعرف هل كان الخيار الذي تركناه أفضل أم لا؛ يكفينا أن نعرف أن أمامنا خيارًا ما زال مفتوحًا: أن نعيش الحياة التي اخترناها بأفضل ما نستطيع.
فبعض الطرق التي لم نسلكها ستظل جميلة في الخيال، لكن أجمل ما يمكن أن نفعله هو أن نجعل الطريق الذي نمشي فيه الآن جديرًا بأن يُختار.