عبدالرحمن العطوي
يقف المجتمع اليوم أمام مرحلة مفصلية تتطلب وعياً عالياً وحزماً مسؤولاً لحماية فضاءاتنا الرقمية من التجاوزات الأخلاقية والمحتوى الهابط الذي قد يمس منظومة القيم والمبادئ الوطنية، ويأتي ما تتخذه هيئة تنظيم الإعلام من إجراءات وقرارات نظامية بحق الحسابات والمحتوى المخالف ليؤكد أن الفضاء الرقمي ليس ساحة مفتوحة بلا ضوابط، وأن حرية التعبير مسؤولية تلازمها حماية الذوق العام واحترام الأنظمة وصون كرامة الإنسان والمجتمع.
إن مواجهة التجاوزات الرقمية ليست مجرد إجراء تنظيمي عابر، بل هي مسؤولية وطنية ومجتمعية وأخلاقية خاصة في ظل اتساع تأثير المنصات الرقمية وحضورها الكبير في حياة الأجيال الجديدة فالإعلام الرقمي لم يعد مجرد مساحة للترفيه أو التواصل بل أصبح واجهة تعكس مستوى الوعي والثقافة والسلوك العام وصورة حاضرة عن المجتمع أمام العالم.
ومن أكثر ما يستحق التوقف عنده ذلك التناقض الذي يظهر أحياناً بين الصورة التي يقدمها بعض صناع المحتوى عن أنفسهم وبين ما يقدمونه فعلياً من محتوى وسلوك؛ فهناك من يحرص على الظهور بمظهر يوحي بالصلاح والقدوة والوقار ثم يقدم في المقابل محتوى هابطاً أو سلوكيات لا تتسق مع الصورة التي رسمها أمام متابعيه وكأن المظهر أصبح وسيلة لاكتساب الثقة ثم استثمارها في تمرير محتوى لا يليق بالمجتمع ولا بالقيم التي يوحي بها ذلك المظهر.
وتزداد حساسية هذا الأمر عندما يسافر بعض صناع المحتوى إلى خارج المملكة فيقدمون مشاهد وسلوكيات لا تليق بمكانة الرجل السعودي ولا بقيم المجتمع، ثم يظهرون بالزي الوطني في أماكن أو سياقات لا تتناسب مع هيبة هذا الزي ومكانته في الوجدان السعودي فارتداء الزي الوطني ليس مجرد مظهر خارجي يمكن فصله عن السلوك، بل هو صورة تحمل دلالات وطنية واجتماعية كبيرة ومن يرتديه أمام الملايين يتحمل مسؤولية مضاعفة في أن يكون سلوكه ومحتواه بمستوى ما يحمله هذا الزي من احترام وهيبة.
ولا يعني ذلك محاسبة الناس على حياتهم الخاصة، أو التدخل في شؤونهم خارج المملكة وإنما المقصود هو ما يتم تصويره ونشره وتحويله إلى محتوى عام يصل إلى ملايين المتابعين، ويقدم أحياناً بصورة توحي بأن ذلك السلوك نموذج طبيعي أو جدير بالتقليد فالمشكلة ليست في السفر ولا في اختلاف البيئات وإنما في تحويل السلوكيات غير اللائقة إلى مادة للاستعراض والترويج وجمع المشاهدات، ثم تقديمها لجمهور واسع من مختلف الأعمار.
كما أن سلوك الفرد خارج المملكة لا ينبغي أن يكون ذريعة للإساءة إلى صورة المجتمع السعودي أو تقديم ممارسات فردية على أنها تمثل أبناء الوطن كافة؛ فالمجتمع السعودي بتاريخه وقيمه وثقافته أكبر من أن تختزل صورته في محتوى عابر أو سلوك فردي، ولا يجوز أن تصبح الجنسية أو الانتماء الوطني عنواناً لممارسات لا تعكس قيم المجتمع وأخلاقه مع بقاء المساءلة في جميع الأحوال خاضعة للأنظمة والاختصاصات ذات الصلة.
إن حماية الفضاء الرقمي مسؤولية مشتركة تبدأ من وعي المستخدم وصانع المحتوى، ولا تنتهي عند الجهات التنظيمية، فالمؤثر الحقيقي ليس من يجمع أكبر عدد من المشاهدات وإنما من يدرك حجم تأثيره ويستخدمه فيما ينفع ويحترم خصوصية الآخرين ولا يحول حياة الناس وكرامتهم إلى مادة للعرض أو وسيلة لتحقيق الشهرة والمكاسب.
لقد أصبحت المنصات الرقمية جزءاً من المشهد الوطني وصارت الكلمة والصورة والمقطع قادرة على الوصول إلى ملايين المتابعين خلال لحظات ولذلك فإن المسؤولية اليوم أكبر من أي وقت مضى، والمسألة لم تعد مرتبطة بما يراه صاحب الحساب حقاً شخصياً له بل بما يترتب على المحتوى من آثار على الأفراد والمجتمع والذوق العام والصورة التي نقدمها عن وطننا.
إن المملكة العربية السعودية وهي تمضي بثقة في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح تدرك أن التنمية لا تقتصر على الاقتصاد والتقنية والمشروعات، وإنما تشمل كذلك بناء الوعي وترسيخ المسؤولية وحماية القيم التي تشكل أساس المجتمع، ولذلك فإن تنظيم الفضاء الرقمي يمثل جزءاً من حماية هذه المنظومة وتعزيز حضور المحتوى المسؤول الذي يليق بمكانة المملكة ومجتمعها.
إن مواجهة التجاوزات الرقمية لا ينبغي أن تكون انتقائية ولا أن تتوقف عند الحسابات التي تصنع الضجيج فالمحتوى الذي يستغل صورة القدوة أو الصلاح أو المظهر المحافظ لاستقطاب الجمهور ثم يقدم ما يناقض ذلك يستحق قدراً أكبر من الوعي والمراجعة لأن خطورته لا تكمن في المشهد وحده وإنما في الثقة التي يكتسبها صاحب الحساب ثم يوظفها في التأثير على الآخرين.
ومن هنا، فإن الحزم في تطبيق الأنظمة لا ينبغي أن يُفهم على أنه تقييد لمساحة التعبير، بل هو حماية لحرية مسؤولة تلتزم بالأنظمة وتحترم الآخرين وتدرك أن الوصول إلى الملايين لا يمنح صاحبه حصانة من المسؤولية، بل يضاعف مسؤوليته تجاه ما ينشره وما يقدمه وما يتركه من أثر في المجتمع.
إننا إذ نثمن الإجراءات النظامية الرامية إلى ضبط المحتوى المخالف وتعزيز الالتزام بالضوابط فإننا نؤكد أهمية استمرار المتابعة والرصد وفق الأطر النظامية لكل من يتجاوز المحاذير أو يتحايل على الضوابط بحثاً عن الشهرة أو المشاهدات أو المكاسب السريعة من خلال محتوى هابط يقوم على الإثارة الرخيصة أو استغلال الآخرين أو المساس بالآداب العامة.
وتزداد خطورة بعض الممارسات حين تتجاوز حدود المحتوى المبتذل إلى استغلال القاصرين أو النساء أو تقديم مشاهد وسلوكيات تتعارض مع الأنظمة والقيم والآداب العامة وهو ما يستوجب التعامل معها بحزم وفق الأنظمة وبعد ثبوت المخالفة دون تشهير أو تعميم ودون أن تتحول المنصات الرقمية إلى مساحة للإفلات من المسؤولية.
ستبقى الأنظمة حاضرة لحماية المجتمع، وسيبقى الوعي خط الدفاع الأول وستظل المسؤولية الأخلاقية أساساً لكل حضور رقمي ناجح فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الضجيج بقدر ما يحتاج إلى محتوى يليق به، وإلى أصوات تدرك أن الكلمة مسؤولية وأن المظهر لا يصنع قدوة، وأن الشهرة ليست حصانة وأن الزي الوطني ليس غطاءً لسلوك لا يليق به، وأن التقنية مهما اتسعت مساحتها تظل بحاجة إلى أخلاق تضبط استخدامها وتحفظ للمجتمع قيمه وللإنسان كرامته وللوطن صورته التي يستحقها.