د.عبدالرحمن الحبيب
يُعتبر هذا العام استثنائيًا بالنسبة للقوى المتوسطة، لا سيما بعد الخطاب التاريخي لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس يناير الماضي، بإعلانه نهاية النظام الدولي القائم على القواعد بقيادة الولايات المتحدة، ودعا «القوى المتوسطة» إلى التكاتف لمواجهة عصر التنافس القاسي بين القوى العظمى، وإيجاد سبل لاستعادة استقرار النظام الدولي.
لا يوجد تعريف دقيق متفق عليه للقوى المتوسطة، إنما غالبًا تُعرف بأنها دول تتمتع بمزايا اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية ملحوظة ونفوذ عالمي أو إقليمي كبير مؤثر في النظام العالمي ولكنها ليست قوى مهيمنة عالميًا. فمن القوى المتوسطة التقليدية: كندا، السويد، هولندا؛ ومن القوى المتوسطة الصاعدة/المحورية: البرازيل، الهند، إندونيسيا، السعودية، تركيا، جنوب إفريقيا، نيجيريا، وفقًا لصندوق النقد الدولي.
خطاب كارني لاقى صدىً واسعًا لدى العديد من الدول الساعية إلى استعادة الاستقرار للنظام الدولي عبر إستراتيجية تتوافق عليها القوى المتوسطة التي لا تستطيع فرض نتائج عالمية بشكل منفرد.
إلا أن الإدارة الأمريكية لها رأي مختلف، معتبرة فكرة «إستراتيجية القوى المتوسطة» تشتيتًا مكلفًا؛ كما كتب وكيل وزارة الدفاع الأمريكية لشؤون السياسة إلبريدج كولبي: «هناك ضجة كبيرة هذه الأيام حول إستراتيجية جماعية للقوى المتوسطة. لسنا قلقين من أن يكون هذا احتمالًا جديًا... فالقوى المتوسطة تفتقر إلى أساس متماسك للتوافق».
«التوافق» هو الضرورة الأساسية والمعضلة الصعبة لنجاح القوى المتوسطة في التأثير؛ فمثلًا باستطلاع حالة جنوب شرق آسيا لمركز دراسات آسيان لعام 2026، فضّل 52 في المائة من المشاركين من جنوب شرق آسيا التحالف مع الصين على الولايات المتحدة، مقارنةً بـ48 في المائة فضّلوا الولايات المتحدة.
لذا، نشرت مجلة «فورين بوليسي» بمقدمتها: «السؤال الأهم ليس مع أي قوة عظمى تتفق رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، بل هل تتفق هي نفسها؟» حيث تميل مخاوفها الأمنية نحو الولايات المتحدة وجاذبيتها الاقتصادية نحو الصين.
لتحقيق التوافق وتجنب الاختلاف تقترح الباحثة في النظام الدولي، سوزان نوسيل، بناء تحالفات مرنة بين القوى المتوسطة. كما يقترح محلل الشؤون الدولية الإفريقية كريس أوغونموديدي أن تُشكّل القوى الإفريقية المتوسطة تحالفات مُخصصة لقضايا مُحددة، بدلًا من تشكيل كتلة جيوسياسية واحدة.
علاوة على ذلك، تمتد تداعيات الحربين الأخيرتين أبعد من أوكرانيا والخليج العربي، لتشمل منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وعلاقة دول جنوب شرق آسيا بالصين، ودول آسيا الوسطى بروسيا، كما أشار الباحث غالب دالاي المدير المشارك لبرنامج النظام العالمي بجامعة أكسفورد، مضيفًا: رغم أنه لا غنى عن الولايات المتحدة، إلا أن سلوكها غير قابلة للتنبؤ بما يكفي للاعتماد عليها في الشراكات الأمنية والتعاون في الصناعات الدفاعية.
ويثير دالاي مسألة أخرى، وهي تحوّل موازين القوى، فبالنسبة لدول الشمال العالمي، خاصة الاستعمارية السابقة كبريطانيا وفرنسا، يُمكن اعتبار تحوّلها إلى قوى متوسطة تراجعًا في مكانتها ونفوذها الدولي؛ بالمقابل، يُشير صعود دول الجنوب العالمي إلى قوى متوسطة إلى زيادة قدرتها على التأثير، واستعداد أكبر للمشاركة في السياسة الدولية، حسب دالاي.
يمكن اعتبار اتفاقية مكة في 7 أغسطس أول البوادر العالمية لهذه المشاركة الفاعلة من القوى المتوسطة التي تمثل السعودية وباكستان وتركيا. وقد صرحت أليسون مينور، مديرة المجلس الأطلسي، لمجلة فورين بوليسي عن الاتفاقية بأنها: «تُبرز، لا سيما بالنسبة للرياض، الدولة المضيفة لهذا الاتفاق، قدرتها على إثبات أنها قوة دافعة للاستقرار في المنطقة».
كما أن التعاون الإقليمي بين القوى المتوسطة في الجنوب العالمي ونظيراتها في الشمال أمر ضروري، لكنه يتطلب أن تتبنى الدول الأوروبية عقلية جديدة تعترف بتراجع دورها القيادي، والحاجة إلى اتباع نهج جديد لتحقيق معايير عالمية مشتركة مع الآخرين، وليس مجرد تصدير معاييرها الخاصة إلى الجنوب العالمي، كما يطرح دالاي.