ثامر بن سعران السبيعي
في التاسع من سبتمبر 2025 وقع اعتداء مسلح على أراضي دولة خليجية، وخلال ساعات وصلت إلى مجلس الأمن رسالتان: الأولى من مندوبة قطر الدائمة تدين الضربة وتصفها بأنها انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية، وتحمل الرمز S/2025/563؛ والثانية من مندوب الكويت الدائم نيابةً عن أعضاء مجلس التعاون، وتحمل الرمز S/2025/565.
الاستجابة كانت سريعة وجماعية ومنسّقة. لكن الرسالتين -وهما وثيقتان علنيتان يستطيع أي باحث فتحهما- لم تتضمنا استدعاءً لاتفاقية الدفاع المشترك الخليجية القائمة منذ عام 2000، ولا تكييفاً للحادثة بوصفها موجِبةً لحق الدفاع الجماعي المقرر في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. تحرّكت الدول بصفتها مجموعة سياسية تُدين، لا بصفتها أطرافاً في ترتيب دفاعي يُفعَّل.
وبعد ثمانية أيام، في السابع عشر من سبتمبر، وُقِّع في قصر اليمامة اتفاق الدفاع المتبادل الإستراتيجي بين المملكة وباكستان. وفي السابع من أغسطس 2026 اتّسع الترتيب في مكة المكرمة ليضم تركيا، بصيغة تقول إن الاعتداء على أحد الأطراف اعتداء على الجميع.
هذا التسلسل الزمني ليس تفصيلاً هامشياً؛ هو جوهر القصة. فالترتيب الجديد لم يُبنَ ليضيف طبقة إلى القائم، بل لأن القائم لم يُستدعَ في اللحظة التي وُجد من أجلها.
والسؤال الذي يستحق الطرح ليس عن النوايا -وهي واضحة ومعلنة ودفاعية بتصريح الأطراف الثلاثة جميعاً- بل عن الأداة: ما الذي يجعل التزاماً دفاعياً قابلاً للاستعمال في اللحظة الحاسمة؟
الميثاق أجاب عن هذا في مادته 102: كل معاهدة وكل اتفاق دولي يعقده أي عضو يجب أن يُسجَّل في أمانة الهيئة وأن تقوم بنشره بأسرع ما يمكن؛ وليس لأي طرف في اتفاق لم يُسجَّل أن يتمسك به أمام أي فرع من فروع الأمم المتحدة.
وأودّ أن أكون دقيقاً هنا، لأن هذه النقطة يُساء فهمها كثيراً: الاتفاق غير المسجَّل ليس باطلاً. هو صحيح ملزم بين أطرافه، ولكل طرف أن يسائل الآخر على أساسه. ما يسقط ليس صحّته، بل قابليته للرفع أمام مجلس الأمن أو محكمة العدل الدولية. والخطورة أن اللحظة التي يُحتاج فيها إلى رفعه هي بالتحديد لحظة الأزمة، حين لا يبقى وقت للتدارك. ويضاف إلى ذلك أن شرط الإبلاغ الوارد في المادة 51 عاملَه القضاء الدولي قرينةً على جدّية الادعاء: فمن يمارس الدفاع عن النفس ولا يُبلغ يُضعف موقفه، لأن سلوكه الإجرائي يُقرأ دليلاً على التكييف الذي تبنّاه هو لفعله.
هنا يبرز الشاهد التاريخي.. وهو عربي لا مستورد
في القاهرة عام 1950 وقّعت سبع دول عربية، من بينها المملكة، معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي. ونصّها منشور ومتاح منذ ذلك الحين في الأرشيفات الأكاديمية والأممية. وفيها مادتان تستحقان القراءة اليوم أكثر مما استحقتاها يومذاك.
المادة 11 تنص على أنه لا يمسّ أي حكم من أحكام المعاهدة، ولا يُقصد به أن يمسّ، أياً من الحقوق أو الالتزامات المترتبة للدول المتعاقدة عن ميثاق الأمم المتحدة، ولا المسؤوليات التي يتحمّلها مجلس الأمن عن حفظ السلم والأمن الدوليين. والمادة 6 تنشئ مجلس دفاع مشترك من وزراء الخارجية والدفاع، تكون قراراته المتخذة بأغلبية الثلثين ملزمة لجميع الدول المتعاقدة.
وأتوقف عند المادة السادسة تحديداً، لأنها تجيب في جملة واحدة عن أربعة أسئلة تشغيلية: من الجهة، ومن يتألف منها، وبأي نصاب تقرّر، وما أثر قرارها. وهذا هو الحد الأدنى لأي تصميم قابل للتنفيذ. فالتجربة الإدارية تقول إن أي التزام لا مالك محدَّد لقراره يتحول عند الاختبار إلى مشاورات- والمشاورات تستهلك المهلة ذاتها التي وُجد الالتزام ليختصرها.
وللمقارنة: معاهدة شمال الأطلسي فعلت الشيء نفسه بعد عام واحد فقط، فأحالت في مادتها الخامسة إلى المادة 51 بالاسم، وأوجبت إبلاغ مجلس الأمن فوراً، واشترطت انتهاء التدابير متى اتخذ المجلس ما يلزم، ثم أكدت في مادتها السابعة أنها لا تمسّ مسؤوليته الرئيسة.
ومع ذلك لم يُكشف من الردع شيء. فالمعاهدة أعلنت الالتزام وأبقت الخطط سراً: موادها الأربع عشرة منشورة منذ 1949، بينما الترتيبات الدفاعية الموضوعة بموجبها لم تُنشر إلى اليوم بعد سبعة عقود. ومعاهدة 1950 صنعت الفصل نفسه، فأعلنت نصّها وأفردت التفاصيل التنفيذية لملحق عسكري.
هذه هي الهندسة التي يُساء فهمها حين يُقال إن التوثيق يكشف الأوراق. التوثيق يكشف حدود الالتزام، لا حدود القدرة. والأول أصلٌ يتراكم، والثاني ورقةٌ تُحفظ.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته الرصيد الشرعي: رصيد يتراكم مع كل ممارسة موثَّقة، ويتآكل مع كل ممارسة صامتة، ويُستدعى دفعةً واحدة يوم الحاجة. ومن لم يودع فيه شيئاً لا يجد ما يسحبه.
وأزيد على ذلك اعتباراً ردعياً بحتاً. الغموض في القدرات أصلٌ من أصول الردع لا يُنازَع فيه. أما الغموض في العتبة -أي في تحديد الفعل الذي يستدعي الالتزام- فلا يخيف الخصم، بل يمنحه مساحة يعرف أنها لن تُعالَج. وهذا هو ما يسمّيه الأدب الإستراتيجي القضم تحت العتبة: اعتداء محدود مدروس لا يبلغ حدّ استدعاء الالتزام، يُكرَّر مرة بعد مرة حتى يصير الوضع الجديد أمراً واقعاً. ومن لم يعلن عتبته فقد دعا خصمه إلى استكشافها بالتجربة.
ثم إن اتساع الترتيب يضاعف الحاجة إلى الوضوح لا يقلّلها. فالاتفاق الثنائي المعلن الشروط يربط طرفين ربطاً محسوباً، والاتفاق الثلاثي الغامض ينشئ ثلاث علاقات كلٌّ منها مجهول المدى. ولكل طرف من الأطراف الثلاثة نزاعاته الخاصة وجغرافيته الخاصة، فيصير تحديد النطاق الجغرافي حمايةً للأطراف من الاستدعاء غير المقصود لا قيداً عليهم. وهذا بالضبط ما وُضعت لأجله المادة السادسة من معاهدة الأطلسي.
على أنني لا أدّعي أن النص وحده يكفي. فمعاهدة 1950، على اكتمال صياغتها، لم تُفعَّل عملياً في أخطر ما مرّ بالمنطقة. النص شرطٌ لازم لا كافٍ، والإرادة السياسية تبقى العامل الحاسم. لكن الفارق أن ما بقي منها بعد ستة وسبعين عاماً هو نصّها: ما زلنا نستشهد بمادتها الحادية عشرة، ولا نملك ما نستشهد به من اتفاقات لم تُكتب علناً. وهذا وحده يجعل التدوين استثماراً في الزمن لا في اللحظة.
والمسافة بيننا وبين ذلك المعيار ليست مسافة قدرة، بل مسافة إجراء. ويمكن قطعها على ثلاث طبقات، أوّلها لا يحتاج موافقة أحد.
الطبقة الأولى خطوات منفردة، بلا تعديل نص وبلا شريك. فالالتزام بالتسجيل في المادة 102 يقع على كل عضو على حدة، ولا يشترط رضا الطرف الآخر. فيُسجَّل الاتفاق لدى الأمانة العامة، وتُوجَّه رسالة تفسيرية إلى رئيس مجلس الأمن تعلن طابعه الدفاعي واستناده إلى المادة 51 وعدم مساسه بمسؤولية المجلس، ويُخطر المجلس وفق المادة 54 إن قُدّم بوصفه ترتيباً إقليمياً. كلفة هذه الخطوات صفر، وزمنها أسابيع.
الطبقة الثانية قرار جماعي: نشر النص الكامل بموافقة الأطراف، وإعلان مشترك بالإسناد، وإيداع نسخة موقّعة لدى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية- وهو ما نصّت عليه معاهدة 1950 نفسها في مادتها الثالثة عشرة.
الطبقة الثالثة بروتوكول ملحق منشور، يُخصَّص لما لا يستطيع أي إعلان أن ينشئه: عتبة التفعيل والجهة التي تقرّر انطباقها والمهلة الزمنية لقرارها، وآلية جماعية بنصاب محدد، وشرط الانقضاء عند تحرّك المجلس، والنطاق الجغرافي، وإجراء انضمام الدول الأخرى ما دام أُعلن أن الباب مفتوح. وصياغته ملحقاً منشوراً تتيح إعلان الإطار القانوني مع إبقاء الترتيبات العملياتية مكتومة.
والمملكة، بموقعها ومبادرتها في الترتيبين معاً، هي الطرف الأقدر على أن يجعل من اتفاق مكة السابقة التي تعيد المعيار العربي إلى ما بلغه عام 1950.
والخطوة الأولى في هذا كله تحتاج توقيعاً واحداً وأسبوعين.