عادل بن محمد القاسم
أحيانًا يفتح سؤال عابر مساحةً أوسع للتفكير في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بطريقة تقليدية. ومن بين تلك الأسئلة: ماذا يحدث للمعرفة التي استثمرت المؤسسة في بنائها عندما يغادر صاحبها؟ هل تغادر معه، أم تبقى جزءًا من خبرة المؤسسة وذاكرتها؟
هذا السؤال يعيد تعريف مفهوم التدريب والتطوير، وينقلنا من الاهتمام ببناء قدرات الفرد وحده إلى بناء قدرة المؤسسة على الاحتفاظ بالمعرفة وتطويرها. فالقيمة الحقيقية ليست فقط فيما يتعلمه الموظف، بل فيما تستطيع المؤسسة أن تحوّله من معرفة فردية إلى قدرة مؤسسية مستدامة. من الطبيعي أن تستثمر المؤسسات في موظفيها، وأن تمنحهم فرص التدريب والتأهيل، لكن الإشكالية تبدأ عندما تبقى المعرفة التي اكتسبها الموظف حبيسة تجربته الشخصية، مرتبطة بوجوده، وتنتهي أو تضعف بمجرد انتقاله إلى جهة أخرى. وقد يكون الموظف صاحب قدرات مميزة، ويمتلك مهارات استثنائية، لكن وجود القدرة وحده لا يكفي؛ فالمؤسسة هي التي تهيئ البيئة التي تكشف هذه القدرات، وتحدد مسارها، وتمنحها المساحة المناسبة للنمو، ثم تحولها من إمكانات فردية إلى قيمة مؤسسية.
فالموهبة قد تكون في الفرد، لكن المؤسسة هي التي تكتشفها وتوجّهها وتضاعف أثرها. ومن هنا، فإن نجاح الموظف لا ينبغي أن يُقرأ بمعزل عن البيئة التي يعمل فيها. فكم من قدرات مميزة لم تظهر لأنها وُضعت في المكان غير المناسب، وكم من موظف لم يكن لافتًا في تجربة سابقة، ثم أصبح عنصرًا مؤثرًا حين وجد القيادة التي اكتشفت إمكاناته، وحددت له الدور الذي يناسبه، ومنحته الثقة والأدوات والفرصة.
وفي المقابل، فإن المؤسسة الناضجة لا تجعل تميزها مرهونًا بموظف واحد، مهما بلغت قدراته. فالخبير الجيد يستطيع أن يحل مشكلة قائمة، والموظف المتميز قد يصنع فارقًا كبيرًا، لكن المؤسسة القوية هي التي تستطيع تحويل خبرة الفرد إلى معرفة مؤسسية، ومن مهارة شخصية إلى قدرة مشتركة يمتلكها الفريق. وهنا يظهر الفارق بين مؤسسة تعتمد على الأشخاص، ومؤسسة تصنع من قدرات الأشخاص قدرةً مؤسسية مستدامة. فحين يشترك فريق العمل في لغة مهنية واحدة، ومنهجية واضحة، وإجراءات موثقة، وأدوات محددة للقياس والتقييم، تصبح المعرفة جزءًا من المؤسسة نفسها، لا ملكًا ضمنيًا لمن يحملها. وعندما يغادر موظف، أو ينتقل قائد، أو يتغير فريق، لا تبدأ المؤسسة من الصفر، بل تستمر المعرفة وتتراكم الخبرة.
ومن هنا تغيّر لدي، على مر السنوات، مفهوم الاستثمار في الاستدامة. فلم أعد أراه مرتبطًا فقط بإعداد التقارير، أو الحصول على الشهادات، أو تطبيق أنظمة الإدارة، على أهمية كل ذلك، بل أراه يبدأ من قدرة المؤسسة على اكتشاف إمكانات أفرادها، وتطويرها، ثم تحويلها إلى معرفة وممارسة قابلة للنقل والاستمرار.
والسؤال الأهم هنا ليس: كم موظفًا درّبنا؟ وكم برنامجًا نفذنا؟ وكم شهادة حصلنا عليها؟ بل: هل نعرف قدرات موظفينا فعلًا؟ وهل وضعنا كل شخص في المكان الذي يستطيع أن يقدم فيه أفضل ما لديه؟ وهل يفهم الموظف لماذا يؤدي عمله بهذه الطريقة؟ وهل يستطيع قياس أثر ما يقوم به وتحسينه؟ وهل يستطيع نقل معرفته إلى زملائه ومن يأتي بعده؟
حين نصل إلى هذه المرحلة، يصبح التدريب أكثر من دورة، والمعرفة أكثر من معلومة، والاستدامة أكثر من مشروع أو مبادرة موسمية. تصبح الاستدامة ثقافة عمل يومية؛ تكتشف القدرات، وتصنع الفرص، وتنقل المعرفة، وتراكم الخبرة، بحيث لا يتوقف نجاح المؤسسة على شخص بعينه.
فالأشخاص، مهما بلغت كفاءتهم، قد يغادرون أو تتغير أدوارهم، لكن المؤسسة التي أحسنت اكتشاف قدراتهم، واستثمارها، ونقل معرفتهم، وبناء منظومتها حول المعرفة لا حول الأشخاص، تبقى قادرة على الاستمرار والتطور. فالاستدامة الحقيقية ليست أن يبقى الموظف، بل أن يبقى أثره ومعرفته بعد رحيله؛ وليست أن تمتلك المؤسسة أفرادًا مميزين فحسب، بل أن تكون قادرة على اكتشاف هذا التميز، وتوجيهه، وتحويله إلى قدرة مؤسسية مستدامة.
** **
- باحث مُختص في شؤون المكتبات والمعلومات.