نجلاء العتيبي
لا يدخل الإنسان إلى عمله بمهاراته وحدها؛ بل تُرافقه أخلاقه وطباعه وطريقته في فهم الآخرين، وبمرور الوقت يتحوَّل المكان من مقرٍّ تُؤدَّى فيه المهام إلى بيت آخر يمضي بين جدرانه جانبًا كبيرًا من العمر، وتتقاطعُ داخله المسؤوليات والطموحات والتجارب، نغادره كل يومٍ وقد أضاف إلى نفوسنا معرفة جديدة؛ لذلك لا تكون العلاقات فيه أمرًا هامشيًّا؛ فهي تُؤثّر في جودة أيامنا، وقدرتنا على العطاء والاستمرار، وفي النجاح الذي نصنعه معًا.
فجمال علاقات العمل لا تصنعه كثرةُ المحيطين بنا، ولا الأحاديث الممتدَّة في كل اتجاهٍ، قد يكون زميل واحد صادق كافيًا ليمنح رحلة العطاء معناها؛ شخص يحفظ الكلمة، ويُتقن التعاون، ولا يتخلَّى عن مسؤوليته حين تزداد ضغوط العمل؛ فالقيمة ليست في عدد الأسماء التي نعرفها، وإنما في نقاء المعاملة، وصدق المساندة، وقد تمتلئ المكاتب بالناس، بينما يظلُّ الأثر الحقيقي مرتبطًا بإنسانٍ أحسن الزمالة، وترك في أيام العمل ما يستحقُّ أن يُذكر.
وللعلاقات المهنية أصولٌ تحفظ اتزانها؛ فالمزاح الذي يتجاوز اللياقة يفقد خفته، والتدخُّل فيما لا يخدم المهمة يُربك التعامل، وتحويل الاختلاف إلى خصومة يُرهق الجميع، وحين يُدرك كل طرفٍ طبيعة دوره، ويلتزم بما تقتضيه بيئة العمل، تستقيم الزمالة من غير تكلُّف أو تجاوُز؛ فالعمل يجمع أشخاصًا تختلف أعمارهم وطباعهم وتجاربهم ونظرتهم إلى الحياة؛ أحدهم يحبُّ الحديث، وآخر يميل إلى الهدوء، ولا يمنع هذا التنوُّع قدرتهم على التعاون؛ فالإنسان الناضج لا يبحث فيمن حوله عن نُسَخٍ منه، ولا يجعل التشابه شرطًا للتفاهم، وإنما يعرف كيف يتعامل مع الفروق بوعي يراعي مقتضيات المكان.
ومع جمال الزمالة تبقى مصلحة العمل أمانةً مشتركةً تسبق الرغبات الفردية، على الإنسان أن يسأل نفسه قبل كل قرارٍ: ماذا يحتاج العمل؟ لا ماذا أريد أنا وحدي؟ فالإنجاز لا يصنعه شخص منفرد، حتى إن ظهر اسمه في الواجهة؛ فخلف كل نتيجةٍ جهودٌ متصلةٌ، ووقتٌ بذله آخرون، وأدوار تبدو صغيرة، غير أن اكتمالها يصنع فارقًا كبيرًا، وحين يُدرك الفريق أن ثمرة الجهد تعود إلى الجميع، تتراجع الأنانية، ويغدو التفوُّق قيمةً تُضاف إلى المكان، لا ساحة لإثبات الذات على حساب الآخرين.
ولا يعني تقديم مصلحة العمل أن يُهمل الإنسان حقه أو يسمح باستغلال جهده؛ فالمقصود أن تتسع النظرة لتشمل الغاية المشتركة، وأن يُؤدّي كلُّ فرد دوره بوعي، ويمنح زملاءه ما يُعينهم على إتمام مهامهم؛ فتزدهر بيئة العمل حين تتكامل القدرات، ويشعر كل شخص بأن إتقان الآخر يرفع مستوى الفريق، وأن ما يُقدّمه اليوم يعود على الجميع جودةً وثقةً واستقرارًا.
تتغيَّر المواقع، وتتبدَّل المهام، ويرحل أشخاص، ويأتي غيرهم، وربما نفترق عمَّن ألفنا وجودهم من غير خلافٍ؛ لأن الطريق أخذ كل واحد إلى جهة مختلفة، فعندها تتراجع تفاصيل الأيام، وازدحام المواعيد، وتبقى المواقف الطيبة وحدها؛ نتذكَّر مَن أنصفنا في جهدنا، ومَن ساندنا عند التعثُّر، ومن نسب الفضل إلى أصحابه، ومن اختار اللطف حين كان قادرًا على القسوة.
وفي نهاية الرحلة، لا يكون المهم كم شخصًا عرفنا، وإنما كيف عاملناهم، وماذا أضفنا إلى المكان؛ فالسنوات تمضي، والمناصب تتغيَّر، والأسماء تغادر الأبواب التي دخلتها يومًا، أما الخُلُق الجميل فيظلُّ شاهدًا على صاحبه، ويُؤكّد أن زميلًا واحدًا صادقًا، وموقفًا نبيلًا واحدًا، قد يمنحانِ أعوامًا كاملةً معنًى لا يزول.
ضوء
«(يا بُنَيَّ، اجعلْ نفسك ميزانًا فيما بينك وبين غيرك؛ فأحببْ لغيرك ما تحب لنفسك، واكرهْ له ما تكره لها، ولا تظلمْ كما لا تحب أن تُظلَمَ، وأحسِنْ كما تحب أن يُحسَن إليك، واستقبحْ من نفسك ما تستقبحه من غيرك، وارضَ من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقُل ما لا تعلم وإن قلَّ ما تعلم، ولا تقُلْ ما لا تحب أن يُقال لك).
- أمير المؤمنين في وصية لابنه الحسن.