د. عمر بن أحمد مسملي
عندما نتحدث عن سباق الدول في الذكاء الاصطناعي، غالبًا ما يتجه التفكير مباشرة إلى من يمتلك النموذج الأقوى، أو الخوارزمية الأكثر تطورًا، أو أكبر مراكز البيانات، أو العدد الأكبر من الشركات الناشئة والاستثمارات. لكن هناك سباقًا آخر ربما يكون أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا على المدى البعيد: من سيضع القواعد التي تحكم هذه التقنية؟ وهنا تبرز أهمية إنشاء المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض. فالقضية لا تتعلق بإنشاء مركز بحثي جديد بقدر ما تتعلق بالموقع الذي تريد المملكة أن تشغله في العالم الذي يصنعه الذكاء الاصطناعي. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج نستخدمه لكتابة رسالة أو تلخيص تقرير أو إنتاج صورة. لقد بدأ يدخل في قرارات أكثر حساسية بكثير؛ في التشخيص الطبي، واختيار الموظفين، والتعليم، والإقراض، والأمن، والخدمات الحكومية، والإعلام، والبحث العلمي. وكلما انتقل الذكاء الاصطناعي من مجرد تقديم اقتراح إلى المشاركة في اتخاذ قرار، أصبحت مسألة الأخلاق والحوكمة أكثر أهمية.
تخيل نظامًا طبيًا أوصى بأن حالة مريض لا تستدعي فحصًا إضافيًا، ثم تبين لاحقًا أن المريض كان مصابًا بمرض خطير. من يتحمل المسؤولية، الطبيب، المستشفى، مطور النظام أم الشركة التي دربت النموذج؟
وماذا لو أصبحت الخدمات الحكومية تعتمد بصورة متزايدة على أنظمة ذكية تحدد الأولويات، أو تفحص الطلبات، أو تقدم توصيات حول الاستحقاق؟ هل يكفي أن نقول للمواطن: النظام من قرر ذلك؟
أسئلة كهذه تفسر لماذا أصبحت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قضية إستراتيجية وليست نقاشًا فلسفيًا. والمملكة، بإنشاء مركز دولي متخصص في هذا المجال في الرياض يعمل في إطار دولي وتحت رعاية اليونسكو، تدخل إلى منطقة مختلفة في سباق الذكاء الاصطناعي وهي منطقة صناعة المعايير وليس استهلاك التقنية فقط. وهناك فرق كبير بين الأمرين. فالدول والشركات التي تصنع التقنيات قد تتغير، وقد تتفوق شركة اليوم ثم تتراجع غدًا، لكن القواعد والمعايير التي تتبناها الدول والمنظمات الدولية تستطيع أن تستمر لسنوات طويلة، وتجبر الشركات نفسها على تعديل منتجاتها كي تتوافق معها. ولدينا مثال واضح في حماية البيانات والخصوصية. عندما بدأت بعض الأسواق الكبرى في وضع معايير صارمة لحماية البيانات، لم تعد تلك القواعد قضية محلية، بل اضطرت شركات عالمية إلى إعادة تصميم أجزاء من أنظمتها لكي تستطيع الاستمرار في تلك الأسواق. وقد يحدث الشيء نفسه مع الذكاء الاصطناعي. إذا أصبحت هناك معايير واضحة لشفافية الخوارزميات، أو اختبار التحيز، أو حماية الأطفال، أو استخدام الذكاء الاصطناعي في الطب، فإن الشركات ستبني منتجاتها وهي تفكر في هذه المعايير منذ البداية. ومن هنا يمكن أن تظهر للمملكة قوة من نوع جديد وهي القوة المعيارية، أي القدرة على المساهمة في صياغة القواعد والمعايير التي يتعامل معها الآخرون. وهذا في حد ذاته شكل مهم من أشكال القوة الناعمة في القرن الحادي والعشرين. فكما عرفت بعض المدن العالمية بأنها مراكز للمال، وأخرى للقانون الدولي، وأخرى للدبلوماسية، لماذا لا تصبح الرياض إحدى المدن التي يجتمع فيها الباحثون وصناع القرار وشركات التقنية لمناقشة مستقبل حوكمة الذكاء الاصطناعي؟
المملكة أصبحت بالفعل لاعبًا كبيرًا في الاستثمار في التقنيات المستقبلية، ولكن وجود المركز يضيف بعدًا آخر لهذا الحضور. فمن الممكن أن نمتلك أكبر مراكز البيانات، وأن نستثمر مليارات في الذكاء الاصطناعي، لكن السؤال الأكثر إستراتيجية يبقى: هل سنشارك أيضًا في صياغة المبادئ التي ستحدد استخدام هذه القوة التقنية؟ فالعالم لا يحتاج وثيقة جديدة تقول إن الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون عادلًا وشفافًا وآمنًا؛ هذه المبادئ أصبحت معروفة. التحدي الأصعب هو: كيف نعرف أنه عادل فعلًا؟ وكيف نقيس درجة التحيز؟ وكيف نختبر الشفافية؟ وما الحد المقبول للمخاطر؟ كما أن وجود مركز دولي تحت رعاية اليونسكو في الرياض يعني أن المملكة لا تكتفي بالمشاركة في النقاش العالمي، بل تصبح منصّة لصياغة هذا النقاش. وهذا مهم لسبب بسيط وهو أن القواعد التي تُكتب اليوم ستحدد شكل العالم الرقمي لعقود قادمة. كما أن ارتباط المركز بمنظمة اليونسكو ليس تفصيلًا إداريًا، بل هو عنصر جوهري في فهم دوره العالمي. فاليونسكو كانت من أوائل الجهات الدولية التي أصدرت إطارًا عالميًا لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، يركز على العدالة وعدم التمييز والشفافية وحماية الخصوصية والمساءلة وحقوق الإنسان وبالتالي فإن وجود مركز في الرياض تحت هذا الإطار يعني أن المملكة أصبحت جزءًا من المرجعية الأخلاقية العالمية للذكاء الاصطناعي، وليس مجرد متلقٍ لها.
ومن هنا أيضًا قد تنشأ فرصة اقتصادية. لماذا لا تصبح الرياض مستقبلًا مقرًا لنظام اعتماد دولي للذكاء الاصطناعي المسؤول؟ تمامًا كما توجد شهادات ومعايير في الجودة والأمن السيبراني والسلامة، يمكن أن تظهر معايير تمنح الأنظمة الذكية درجة أو شهادة تثبت خضوعها لاختبارات أخلاقية وتقنية محددة. عندها لن تكون الأخلاقيات عبئًا على الاقتصاد، وإنما يمكن أن تتحول إلى اقتصاد بحد ذاتها: استشارات، وتدقيق خوارزميات، واختبارات، وشهادات، وتدريب، وبحث علمي، ومنتجات متخصصة. كما يستطيع المركز أن يصبح منصة للدول التي لا تمتلك موارد كافية لإنشاء أطرها الخاصة. فالكثير من الدول النامية ستستخدم الذكاء الاصطناعي بسرعة، لكنها قد لا تمتلك الخبرات التنظيمية أو البحثية اللازمة لتقييم مخاطره. وهنا تستطيع السعودية أن تقدم المعرفة والخبرة وبناء القدرات من الرياض. وهذا يضع المملكة في موقع مختلف تمامًا؛ ليس فقط دولة تستورد الخبرة، وإنما دولة تصدّر المعرفة والمعايير. كما يُشكل الكيان الاستقلالي والمالي للمركز مغناطيسًا لرؤوس الأموال الفكرية والعقول الذكية حول العالم. إن القدرة على إبرام الاتفاقيات والشراكات مع المؤسسات الدولية والجامعات العالمية المرموقة، مثل هارفارد ومعهد ماساتشوستس، ستجعل من الرياض ملتقى لأبرز الخبراء والعلماء في مجال أخلاقيات الآلة. هذا التلاقح المعرفي لا يرفع من السمعة الأكاديمية للمملكة فحسب، بل يُصدّر العقل السعودي إلى العالم مشاركًا وموجهًا وصانعًا للحلول.
نجاح المركز لن يتحقق بمجرد استضافة المؤتمرات أو إصدار التقارير. سيكون نجاحه الحقيقي عندما نجد أن توصيات خرجت من الرياض تحولت إلى سياسات تطبق في دول أخرى، أو أن مقياسًا طوره باحثون في المركز أصبح مستخدمًا دوليًا، أو أن شركة عالمية عدلت نظامًا لديها لتتوافق مع معيار ساهم المركز في تطويره. لذلك فنحن اليوم أمام مرحلة تاريخية تشبه في بعض جوانبها البدايات الأولى للإنترنت. في تلك الفترة كانت الأسئلة تدور حول سرعة الاتصال والوصول إلى الشبكة، ولم نكن ندرك بالكامل أن القضايا الأكبر مستقبلًا ستكون الخصوصية، والتضليل، واحتكار البيانات، وتأثير المنصات في المجتمعات. ولذلك فإن تأسيس مركز دولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي في الرياض يمكن أن يكون خطوة إستراتيجية بعيدة المدى، إذا فهمنا أن المهمة ليست مراقبة التقنية بعد حدوث المشكلات، وإنما المشاركة في تصميم المستقبل قبل أن تتحول مشكلاته إلى واقع يصعب تغييره. فالسباق العالمي في الذكاء الاصطناعي لن يحسم فقط بمن يملك الخوارزمية الأقوى. هناك سؤال آخر سيزداد أهمية خلال السنوات القادمة: من يضع قواعد اللعبة؟ وقد أصبحت أمام السعودية اليوم فرصة حقيقية لأن تكون واحدة ممن يكتبون هذه القواعد. إن إطلاق هذا المركز الدولي برعاية اليونسكو يعكس رؤية ثاقبة تدرك أن مستقبل الذكاء الاصطناعي يتطلب حكمًا رشيدًا؛ وبذلك تثبت المملكة للعالم أن صعودها التقني لا يستهدف الامتياز الاقتصادي فقط، بل يسعى إلى حماية القيم الإنسانية وضمان أن تظل التكنولوجيا أداة لخدمة البشرية جمعاء.
** **
- أكاديمي وباحث في الذكاء الاصطناعي