ثامر الشهراني
دخلت العلاقة بين دول الخليج والصين مرحلة تتجاوز التجارة والاستثمار والطاقة، لتلامس الأمن والاستقرار وحماية الممرات البحرية. فالمصالح الاقتصادية التي جمعت الطرفين أصبحت اليوم مرتبطة بملفات أمنية أكثر حساسية، في ظل اضطرابات إقليمية تهدد حركة التجارة وتدفقات الطاقة.
ومن هنا تأتي أهمية الاجتماع المشترك الذي عُقد في الرياض، وبحث الاعتداءات على دول المجلس والملف النووي الإيراني ومكافحة الإرهاب وأمن الممرات البحرية.
لكن السؤال الأهم ليس: ماذا بحثت الصين مع دول الخليج؟ بل: لماذا جاءت الصين إلى هذه الملفات الآن؟
الإجابة تبدأ من حقيقة واضحة: الصين ليست بعيدة عن أمن الخليج، فاقتصادها يعتمد على استقرار تدفقات الطاقة والتجارة، وأي اضطراب في الخليج أو مضيق هرمز أو البحر الأحمر ينعكس على الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد.
وتدرك بكين هذه المعادلة، ولذلك فإن تأكيدها على أمن دول الخليج وسلامة الملاحة وحماية البنية التحتية للطاقة يُقرأ في سياق مصالحها، فاستقرار الخليج يخدم شركاءها الخليجيين والاقتصاد الصيني معًا.
وهنا يظهر الاختبار للموقف الصيني، فالمواقف السياسية شيء، وتحويلها إلى ترتيبات عملية شيء آخر، وأمن الممرات البحرية هو المساحة الأوضح لاختبار قدرة الصين على الانتقال من خطاب الدعم إلى الإسهام العملي في حماية شرايين التجارة والطاقة.
وإذا كانت بكين تريد أن تكون شريكًا استراتيجيًا حقيقيًا، فإن الشراكة لا يمكن أن تبقى محصورة في الموانئ والاستثمارات والطاقة والتكنولوجيا، بل تحتاج إلى ترجمة المصالح إلى مواقف عملية في الأمن البحري وأمن الطاقة وحماية البنية الحيوية.
وهنا يمكن قراءة الانفتاح الخليجي على الصين وروسيا في إطار تحولات النظام الدولي نحو تعدد أكبر في مراكز القوة، فالتقارب مع بكين وموسكو ليس موجهًا ضد واشنطن أو أي قوة أخرى، بل يعكس سياسة تقوم على تنويع الشراكات وتوسيع هامش الحركة الاستراتيجية.
الخليج لا يبحث عن حليف عسكري جديد، بقدر ما يعمل على توسيع دائرة الشركاء القادرين على الإسهام في الاستقرار، فالتعددية في الشراكات لا تعني التعددية في الولاءات، كما أن الانفتاح على القوى الدولية لا يعني الدخول في محاور متصارعة.
وعليه، فإن حضور الصين في الملفات الأمنية الخليجية يعكس تغير طبيعة المصالح بين الطرفين، فالصين التي بنت حضورها في الخليج عبر التجارة والطاقة والاستثمار، تواجه حقيقة واضحة: حماية المصالح الاقتصادية تبدأ من حماية البيئة الأمنية التي تقوم عليها. لكن الاختبار الحقيقي لبكين سيبقى عند الممرات البحرية، حيث لا تكفي البيانات السياسية ولا لغة الشراكة الاستراتيجية، هناك، في مضيق هرمز وبقية شرايين التجارة والطاقة، ستتحدد قيمة الموقف الصيني.
وفي عالم يتجه نحو تعدد الأقطاب، تبدو السياسة الخليجية أكثر وضوحًا: لسنا أصدقاء ضد أحد، بل شركاء مع الجميع وفق مصالحنا، ولا اصطفاف إلا مع أمن الخليج واستقراره.