د. رانيا القرعاوي
يصادف يوم صدور هذا المقال، اليوم الذي ستطوى فيه النسخة الورقية من الزميلة صحيفة «الرياض»، ستتوقف رحلة امتدت لأكثر من ستة عقود بين المطبعة والقارئ، لكن «الرياض» لن تتوقف؛ ستستمر من خلال المنصات الرقمية ويتغير فقط الشكل التي تصدر فيه كل يوم.
من وجهة نظري فإن غالبية الصحف الورقية ستفضل مستقبلاً الاكتفاء بالنسخة الرقمية، حتى سيصبح من النادر الحصول على صحيفة مطبوعة، إلا أن هذا التحول لا يجب أن يمر مرور الكرام بالنسبة للقائمين على المشهد الإعلامي ومسؤولي هيئة المتاحف.
فحدث كهذا يشكل فصلا كاملا من تاريخ السعودية الإعلامي، ولا يجب أن ينتهي بمجرد إعلان، وهنا يأتي سؤال هذا المقال لماذا لا يكون لدينا متحف وطني للصحافة السعودية؟
وأقصد هنا ليس مجرد مستودع أو إرشيف تحفظ فيه أعداد من الصحف خلف واجهات زجاجية، بل متحفًا حيًا يحكي كيف صنع السعوديون صحافتهم، وكيف صنعت الصحافة بدورها جزءًا من ذاكرة السعوديين.
في ديسمبر 1924، صدرت في مكة المكرمة جريدة «أم القرى»، أول صحيفة تصدر في العهد السعودي، وكانت أسبوعية في أربع صفحات، ولم تقتصر منذ بداياتها على البيانات والأخبار الرسمية، بل نشرت أيضًا موضوعات أدبية وثقافية واجتماعية وسياسية. وبعد الحرب العالمية الثانية ظهرت «البلاد السعودية»، التي أصبحت أول صحيفة سعودية يومية. هكذا لم تكن الصحافة هامشًا في قصة بناء الدولة الحديثة، بل كانت تسير معها وتوثق تحولاتها.
وفي الرياض بدأت «الجزيرة» عام 1960 مطبوعة شهرية، ثم تحولت إلى أسبوعية في 1964، قبل أن تصبح يومية في 1972. وبين هذه التحولات، جاء يوم السبت الأول من مايو 1965، ليشهد صدور العدد الأول من جريدة «الرياض» عن مؤسسة اليمامة الصحفية.
المتحف يمكن أن يكون مشروعًا وطنيًا تتبناه وزارة الإعلام، بالشراكة مع المؤسسات الصحفية، أما المادة الأساسية للمتحف، فيقدمها أصحاب التاريخ أنفسهم: «الجزيرة» والرياض والشركة السعودية للأبحاث والنشر والتي أصبحت تعرف بالمجموعة السعودية للأبحاث والإعلام، وغيرها من المؤسسات الصحفية.
المتحف يستعرض رحلة الصحيفة عبر الزمن من أين كان يأتي ورق الصحف؟ كيف يخزن؟ وأنواع الحبر؟ ولماذا يعرف كل من عاش تجربة المطابع رائحة الصحيفة قبل أن يقرأ عنوانها؟ ثم ينتقل الزائر إلى تاريخ الطباعة: الحروف والألواح الطباعية، مراحل إدخال الألوان، وصولًا إلى اللحظة التي لم تعد فيها الصحيفة تحتاج إلى مطبعة أصلًا.
وفيه يرى الزائر وآلة كاتبة، وهاتف أرضي، وأجهزة فاكس، وأقلام تصحيح، وصور فوتوغرافية وأفلامها، وأدوات قص ولصق الصفحات. وعلى الحائط ساعة تقترب من موعد إغلاق العدد، ليعرف الجيل الذي يستطيع اليوم تعديل الخبر في ثانية ماذا كان يعني أن يكتشف المحرر خطأ بعد أن تبدأ المطبعة بالدوران.
وقد تنتهي زيارة الزائر بأن يصل إليه خبر، فيحرره ويختار له عنوانًا وصورة، ثم يرتب الصفحة الأولى، ويرسلها افتراضيًا إلى المطبعة. وفي نهاية الجولة تخرج له نسخة ورقية تحمل «صفحته الأولى» واسمه، فيأخذها معه.
وفيه جدار طويل يروي تاريخ المملكة من خلال الصحف: الأحداث السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إطلاق رؤية السعودية 2030، جائحة كورونا، وأبرز التحولات الرياضية والثقافية الكبرى.
ويضم جناحاً لـ«وجوه الصحافة»، يسلط الضوء على رؤساء التحرير وكتاب الأعمدة، وكل من عمل بهذه المهنة، إلى جانب صوت للمطبعة وهي تعمل.
فمثلما حفظت الصحف السعودية لأكثر من قرن أخبار الوطن وتحولاته على صفحاتها، حان الوقت أن نحفظ لها تاريخها.