باسم سلامة القليطي
لدينا جميعاً قواعد نعرفها، ونرددها، وننصح بها الآخرين. لكن المشكلة أن المشاعر لا تحترم القواعد. حين نغضب، لا نتذكر أننا قلنا يوماً: «سأفكر قبل أن أرد». وحين نفرح، لا نتذكر أننا كثيراً ما ندمنا على وعود قطعناها في لحظة حماس. وحين نحزن، لا يخطر لنا أن هذا الشعور، مهما كان ثقيلاً الآن، سيخف يوماً ما.
المشاعر لا تأتي لتستشير العقل؛ تأتي أولاً، ثم تطلب منه أن يبرر ما ستفعله. ولهذا كم من كلمةٍ خرجت في لحظة غضب، وعلاقةٍ انتهت لأن القلب كان مثقلاً، ووعدٍ قُطع في ذروة الفرح، ثم جاءت الأيام الهادئة لتضع أمامنا سؤالاً مؤلماً: هل كنت أريد ذلك حقاً، أم كنت أريد فقط أن أتخلص من الشعور الذي كان يملكني في تلك اللحظة؟
الغضب لا يريد منك أن تفكر، بل يريد منك أن ترد. يريد جملةً تنتصر بها الآن، حتى لو خسرت بسببها شيئاً غالياً غداً. ولذلك فإن بعض الصمت ليس أدباً فقط، بل حمايةٌ لما لا نريد أن نخسره بسبب لحظة. قد تكون غاضباً ولديك كل الحق في غضبك، لكن امتلاك الحق لا يعني أن كل ما ستقوله في تلك اللحظة سيكون صواباً. هناك فرق بين أن يكون شعورك مشروعاً، وأن يكون تصرفك الذي نتج عنه حكيماً. وربما كان النضج الحقيقي أن تقول لنفسك: سأتعامل مع هذا الأمر، ولكن ليس الآن.
والفرح أيضاً يحتاج إلى شيءٍ من التريث. ففي لحظات السعادة تتسع رؤيتنا للحياة، وتتسع معها وعودنا. نعطي أكثر مما نستطيع، ونَعِد بما لا نعرف إن كنا قادرين على الوفاء به، لأننا نحكم على المستقبل ونحن واقفون في ذروة شعور جميل. ثم تتغير الأيام، لا لأننا كذبنا، وإنما لأن الإنسان الذي وعد كان يعيش لحظةً مختلفة. وكذلك الحزن؛ فهو أخطر حين يقنعنا بأن اللحظة التي نعيشها الآن هي الحياة كلها. يستخدم كلمات مثل «دائماً» و«أبداً»، ويجعل المستقبل يبدو نسخةً طويلة من يومنا الثقيل. لكن الحزن بارع في وصف اللحظة، وليس بالضرورة خبيراً بالمستقبل. فليس من العدل أن تجعل يوماً ثقيلاً يحكم على عمرٍ كامل.
لسنا مطالبين بأن نطفئ مشاعرنا، ولا أن نعيش ببرودٍ يحرمنا جمال الفرح وصدق الحزن وقوة الغضب. المطلوب فقط أن نعرف أن للمشاعر وقتاً، وللقرارات وقتاً آخر. دع الغضب يهدأ قبل أن ترد، ودع الفرح يستقر قبل أن تعد، ودع الحزن يخف قبل أن تقرر. فحين تهدأ النفس لا تختفي الحقيقة، بل تتسع رؤيتنا لها. وربما كانت إحدى علامات النضج أن نعرف متى نقول: نعم، ومتى نقول: لا، ومتى تكون الإجابة الأكثر حكمةً هي: ليس الآن. فبعض القرارات لا تحتاج إلى شجاعةٍ أكبر، وإنما إلى لحظةٍ إضافية لا يكون فيها الشعور هو من يمسك بزمام حياتنا.