فيصل بن أحمد الشميري
وفقاً لتصنيف شنغهاي الأكاديمي (ARWU) الصادر في أغسطس 2026، فقد تربعت السعودية، بحمد الله وتوفيقه، على مراكز متقدمة؛ حيث دخلت خمس جامعات سعودية ضمن أفضل 500 جامعة، وأربع عشرة جامعة ضمن أفضل ألف جامعة عالميًا. أما على مستوى النشر العلمي، وطبقاً لبيانات سكوبس 2025م، بلغ عدد الأبحاث المنشورة 79919 بحثًا، وعلى ضوء ذلك، نستطيع القول بأن السعودية جاءت الأولى خليجيًا، والأولى عربيًا، والثانية شرق أوسطيًا، والسادسة عشرة عالميًا، كل هذه الإنجازات العلمية تجعلنا نطرح سؤالاً أكثر أهمية؛ هل تضيف تلك الأرقام قيمة اقتصادية ومعرفية واجتماعية للمجتمع، وهل عالجت مشكلات؟ وهل قدمت حلولاً لمعضلات قائمة؟ وهل ساهمت في سدِّ الاحتياجات المحلية؟ وباختصار: ماذا أضافت تلك الأرقام والأبحاث، وماذا استفاد منها الوطن.
لم يعدّ البحث العلمي ترفًا أكاديميًا، ولا مجرد أعداد وإحصائيات، ولا أوراقًا علمية تُسلق وتطبخ على عجل، من أجل ترقية أكاديمية، أو مُكافأة مالية، أو زيادة رصيد الباحث من الأبحاث.
البحث في جوهره مسؤولية تجاه المجتمع والمعرفة والإنسان أولاً، وقيمة البحث لا تقاس بعدد الصفحات، ولا بعدد المراجع، وإنما ما أضافه إلى العلم، وما حلَّه من مشكلات وما فتحه من آفاق، وما تركه من أثر، وكم عدد الإستشهادات العلمية التي حظي بها. فإذا كان البحث لا يُقدم معرفة جديدة ولا يضيف قيمة اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية أو زراعية أو هندسية أو طبية أو إنسانية وغيرها، أو على الأقل يُعيد اختبار معرفة بطريقة تكشف جديداً، فما الذي يبرر وجود البحث. قد يكون البحث منشوراً ومستوفياً الشكل والقالب لكنه يظل أقرب للترف العلمي منه إلى البحث العلمي، الذي تحتاجه المجتمعات، وتنتظره المؤسسات، وتلهث وراءه الشركات.
العالم اليوم لا يعاني من نقص في عدد الأوراق العلمية بقدر ما يعاني من نقص في البحوث الأصيلة والجيدة ذات الأثر. وقد أصبح من الضروري أن ننتقل من سؤال: كم بحثًا نشرت؟ إلى أسئلة أكثر عمقاً وأهمية: ماذا أضاف بحثك؟ ومن استفاد منه؟ وهل يمكن الوثوق في نتائجه؟ وهل يمكن إعادة اختباراته بنفس الدقة، أم كان مُجرد فبركة علمية ومضت؟ وهل وصلت نتائجه إلى صُنّاع القرار، أو المربين والمزارعين والأطباء والمهندسين والمعلمين وقطاعات الصناعة والمجتمع؟ فالبحث الحقيقي ليس مضماراً في عدد المنشورات، إن من أخطر ما أصاب البيئة الأكاديمية أن يتحول النشر العلمي من وسيلة لإنتاج المعرفة إلى غاية، وأن يصبح التمويل والدعم والاهتمام منصبًا على الكمّ لا الكيف، تحت خُرافة (أنشر أو مت)، فعندما تصبح الترقية مرتبطة بعدد محدد من الأبحاث، والمكافآت مُرتبطة بعدد من المنشورات ضمن قوالب جاهزة وعتيقة، تصبح المكانة الأكاديمية مرتبطة بمؤشرات رقمية، قد ينشأ سلوك علمي يبحث عن كمٍ أكبر بدلاً من جودة أعلى.
وهنا يصبح قدوةً مثالاً لغيره من الباحثين أمام إغراء إنتاج دراسات متشابهة، وإعادة تدوير الأفكار، واجترار الأبحاث، أو مزيد من تجزئة البحث الواحد إلى أوراق متعددة، أو إعادة صياغة العنوان، والسؤال نفسه، في أكثر من مجلة، وأكثر من تجربة؛ لأن النظام الأكاديمي يكافئ العدد. ولهذا تزايدت عالمياً الدعوات إلى التقييم المسؤول للبحث العلمي، الذي يجعل من معامل التأثير وعدد الاستشهادات ومُؤشر هيرش h-index وغيرها من المؤشرات، جزءًا من منظومة التقييم، لا بديلاً عن الحكم العلمي المُتكامل. وحتى تلك المعايير أصبح من السهل التلاعب بها؛ بحيث يصبح هناك باحثين يستعينون ببعضهم بعضا لزيادة عدد الإستشهادات، فينجر البقية وراءهم، وهكذا دواليك، قد تكون المؤشرات الرقمية مفيدة، لكنها لا تستطيع وحدها اختزال جودة البحث أو أثرة في رقم واحد.
فالبحث المتميز ليس بالضرورة البحث الأكثر انتشارًا ونشراً، وإنما البحث الذي يصعب الاستغناء عنه. وعندما نُعرج إلى أخلاقيات البحث العلمي قبل نتائجه، فلا قيمة لبحث مُتقدم علمياً إذا كان قائماً على بيانات مُفبركة او مُتلاعب بها، أو على إخفاء بعض من النتائج، أو الاستحواذ على جهود الآخرين، أو التحيز، فالأخلاق ليست فصلاً إضافياً في نهاية البحث، بل هي جزء من بنيته منذ لحظة اختيار الفكرة وحتى نشر النتائج. ومن أبسط قواعد النزاهة العلمية: ألا تفبرك البيانات أو تسلقها، وألا تزور النتائج، وألا يكون هناك تحيز خفي طبقاً لنتائج تريد إظهارها، وألا تخفى النتائج التي لا تتوافق مع الفرضية، وألا تنتقى البيانات انتقاءً يخدم نتيجة مسبقة، وألا يسرق نصاً أو فكرة أو صورة أو بيانات من صاحبها، وألا تُخفى المصالح التي يمكن أن تؤثر في تفسير النتائج. فالباحث الصادق والمسؤول، الذي يمتلك ضميرًا وحسًا إنسانيًا ودينيًا، مسؤول عن حماية المشاركين في الدراسة، واحترام خصوصياتهم وحقوقهم، وكذلك التعامل الإنساني والأخلاقي مع الحيوانات البحثية، وفرض فترة الأمان عند استخدام أي مواد في الدراسة، لتقليل الأضرار المحتملة على الإنسان والبيئة والمجتمع. فالنزاهة العلمية ليست مجرد امانة في نقل المعلومة؛ إنها مسؤولية متكاملة عن إنتاج المعرفة واستخدامها. ولا يجب أن ينسي الباحث الحقيقي كل من ساهم في إجراء البحث، بأي جزئية من جزئياته، الباحثين والفنيين والمختصين في المراحل المُختلفة للدراسة: التخطيط والتنفيذ والجمع والتحليل والنشر. وهذه من الممارسات التي تحتاج إلى مراجعة جادة في الاعتراف بجهد كل مشارك، والاعتراف بالمساهمين لا يعني وضع كل من مرّ بالمشروع في قائمة المؤلفين؛ فهناك فرق بين المساهمة والتأليف.
وقد اعتمدت معظم دور النشر العالمية معايير لنوع المساهمة، مثل: وضع المفاهيم، وتنظيم البيانات، والتحليل الرسمي، وجلب التمويل، والتحقيق، والتجريب، والمنهجية، وإدارة المشروع، وتوفير الموارد، والبرمجيات، والإشراف، والتحقق من الصحة، والتمثيل البصري، والكتابة، وإعداد المسودة الأولى، والمراجعة والتحرير... إلخ.
وهذا يقودنا إلى قاعدة أخلاقية بسيطة: لا مؤلف بلا مساهمة، ولا مُساهمةً بلا اعتراف، ولا اعتراف بلا تقدير معنوي ومادي. ويجب أن يعرف كل من شارك في البحث: ماذا أنجز؟ وما الذي سيُنسب إليه؟ وعلى ماذا سيحصل؟ ومن هم المؤلفون؟ وما مسؤولية كل منهم؟ فذلك يحمي الباحث من السرقة العلمية، كما يحمي الورقة العلمية من التأليف الشرفي أو الوهمي. ونحن نغوص ونكاد أن نغرق في عصر الذكاء الاصطناعي، يبرز سؤال آخر: هل أصبح AI مساعدًا للباحث، أم مساعدًا في عملية طبخ وسلق البحوث، أم بديلاً عن الباحث نفسه؟ لقد دلفت برامج الذكاء الاصطناعي إلى المكتبة، والمختبر، والمعمل، والمكتب، وأصبحت قادرة على تلخيص الأدبيات، وتنظيم الأفكار، والمساعدة في تخطي صعوبة اللغات، والتحليل الإحصائي للبيانات، واستخراج الأكواد، وكتابة المناقشة، واقتراح مسارات بحثية. ورغم فوائدها التي لا حصر لها، فإنها يجب أن تظل أداة مساعدة لا بديلة. فهلوسة البرامج لا تتوقف، والخوارزميات تعتمد على كمّ البيانات بغض النظر عن مصداقيتها، وبعض النتائج والمعلومات قد تبدو صحيحة وهي خاطئة؛ فقد تخترع برامج AI مرجعاً غير موجود، او ينسب قولاً لباحث لم يقله، او يخلط بين نتائج الدراسات، ويقدم استنتاجات قوية رغم ضعف الأدلة.
ولهذا يجب أن تُستخدم برامج الذكاء الاصطناعي بوعي وضمير ومسؤولية؛ فهي بحاجة للتنقيح، ووجود بصمة الباحث، وأن يعود الباحث إلى كل فقرة في البحث للتحقق من وجودها في المراجع الأصلية. فبرامج الذكاء الاصطناعي قد تساعدك وبقوة، في العثور على الإجابات، لكنها لا تُعفى الباحث من مسؤولية إثباتها. كما ينبغي الإفصاح عن أي جزئية تم فيها استخدام الذكاء الاصطناعي، أما أن يستعين الباحث في إنتاج بحث كامل، ثم نشره في مجلات تحت السلم، فأنت لم تعدّ باحثاً ولا مؤلفاً، وتفتقر إلى المسؤولية والنزاهة والأصالة. وإتقانك استخدام الذكاء الاصطناعي، لا يعني أن هذه ثورة في البحث العلمي، إذا كان ثمنها إفراغ البحث من جوهره. وجوهر البحث تنبع من رأيك وخبرتك، وعلمك، وتجاربك السابقة.
تخيل معي أن باحثاً نشر بحثاً وهو لا يعرف تصميم التجربة، ولا منهجية البحث، ولا يستطيع تحليل البيانات والنتائج. قد تنجز برامج AI الشكل العلمي للبحث، لكن العقل العلمي الناقد لا يمكن شراؤه أو استئجاره. ومن صناعة الوهم في الأبحاث، الاعتقاد السائد لدى بعض الباحثين بأن البحث المنشور في المجلات الدولية أعلى قيمة من الأبحاث المنشورة في المجلات المحلية أو الإقليمية. والمعضلة ليست في كون المجلة العلمية محلية او إقليمية او دولية، بل بنوع البحث نفسه: ما المشكلة؟ ومن يحتاج للحلّ؟ وما حجم الأثر؟ فإذا كان البحث يعالج مشكلة ما في السعودية «وهنا يجب الوقوف ملياً يجب أن تكون الأبحاث المنسوبة للسعودية من صميم بيئتها واحتياجاتها»، فهو ذو أهمية كبيرة في البلد، وقد تكون أهميته أقل في الخليج والمنطقة العربية المجاورة، وهكذا تقل الأهمية مع البعد الجغرافي عن مركز المشكلة. وهنا يجب التركيز على أن أهمية البحث تنبع من قيمة المشكلة التي يعالجها، وأثر الحلّ الذي يقدمه. فالبحوث الزراعية والحيوانية وقضايا الأمن الغذائي والمائي، والصحة والتعليم والبيئة والطاقة، وغيرها من القضايا الملحة، تحتاج إلى دراسات تنطلق من واقعنا وبيئتنا وخصوصيتها. وفي المقابل، عندما تكون المشكلة ذات امتداد عالمي، فإن نشر البحث العلمي في أوعية دولية قد يوسع المعرفة، ويتيح الاستفادة منه عالمياً.
فالبحث الجيد هو الذي يخدم المجتمع من حوله أولاً، والبحث الدولي يخدم العالم، والبحث الأفضل هو الذي يبدأ من مشكلة حقيقية ويستطيع أن يعبر بنتائجه الحدود. ومع الزيادة المطردة في الأبحاث العلمية محليًا وعالميًا، نستطيع القول بأننا بحاجة إلى مراجعة مفهوم النجاح العلمي، الذي ينبغي ألا يقاس بعدد الأوراق العلمية المنشورة، وإنما بجودة تلك الأبحاث وأثرها. فالتجربة الحقيقية قد ينتج عنها بحث واحد رصين ورزين في مدة زمنية طويلة، لكنه قد يساعد على تغير ممارسة زراعية أو تربوية أو هندسية، أو يساهم في تقليل تكاليف الإنتاج، أو يُحسّن علاجًا، أو يكشف عن مشكلة، أو يساعد صنّاع القرار على اتخاذ أفضل القرارات. في المقابل أيضًا قد ينتج عن تجربة علمية، عشرات الأوراق في مدة زمنية وجيزة، ولكن لا يتجاوز أثرها حدود رفوف المكتب، وقوائم الترقية. لذا ومع عصر صناعة القوة والمعرفة يجب على مراكز الأبحاث المستقلة وفي الجامعات من اعتماد جائزة لقيمة الورقة العلمية المنشورة، وليس لعدد الأبحاث، وأن يدخل في التقييم: ما الإضافة العلمية؟ وما مدى أصالة البحث؟ وما قوة منهجيته؟ وما قابليته للتكرار؟ وما مستوى الشفافية في بياناته؟ وما مدى توافر البيانات، وإمكانية الوصول إليها؟. كما أن من أولويات وآداب التقييم المسؤول للباحث النظر إلى طيف أوسع من المخرجات والآثار، بدلاً من اختزال الأداء في عدد المقالات والمؤشرات الرقمية مثل: عدد المنشورات، عدد الاقتباسات، مؤشر هيرش، معامل التأثير، وغيرها.
وفي نهاية المطاف، ليست القضية في أن نملك جامعات أكثر وتصنيفات أعلى، أو ننشر أبحاثاً أكثر، أو نتصدر مزيدًا من المؤشرات. وإنما في أن نمتلك بحثًا علميًا أكثر أصالة وجودة وأثرًا. فالأمم لا تقاس بعدد أوراقها العلمية، بل بما تحوّله من معرفة إلى حلول، ومن نتائج إلى سياسات، ومن أفكار إلى تنمية لكافة القطاعات. وهنا تبرز أهمية الدعم الرشيد والمُوجّه والسخي للبحث العلمي، فالدعم ليس مُجرد أموال تنفق او أرقام تُضاف إلى التقارير، بل هو استثمار في عقل الأمة ومستقبلها.
ولذلك يجب أن يوجَّه مزيد من الموارد إلى البحوث الأصيلة التي تنطلق من مشكلات حقيقية، وتستجيب لاحتياجات المجتمع، وتفتح آفاقًا جديدة للمعرفة والاقتصاد والإنسان، بعيداً عن المُجاملات والعشوائية والموسمية التفاعلية، وعن مكافأة الكمّ. نحتاج إلى منظومات بحثية مُتخصصة في إنشاء هيئة عامة للبحوث العلمية في المجالات كافة، بالشراكة مع الجامعات والجهات ذات العلاقة. فالقيمة الحقيقية للبحوث العلمية لا تكمن في عدد ما نكتب، بل في مقدار ما نغير؛ ولا في عدد الأوراق العلمية المنشورة التي تضاف إلى رصيد الباحث، بل في عدد المشكلات التي أسهم البحث في حلّها، والمعارف التي أضافها، والقرارات التي حسنّها، والمجتمعات التي انتفعت بها، ولذلك يبقى السؤال قائمًا؛ ليس: كم بحثًا نشرنا؟
بل: ماذا أضافت أبحاثنا؟ وماذا غيَّرت؟ ومن استفاد منها؟
** **
- دكتور باحث في كلية علوم الأغذية والزراعة جامعة الملك سعود