د. عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
ثمة لحظات في حياة الإنسان لا تأتي لتختبر قدرته على العيش فحسب، وإنما لتعيد تعريف الحياة ذاتها أمامه. وفي مقدمة هذه اللحظات لحظة المرض؛ حين ينتقل الإنسان فجأة من الموقع الذي يراقب الألم من بعيد إلى الموقع الذي يسكن الألم جسده، ويصبح الجسد الذي كان أداة صامتة لتحقيق أحلامه ومشروعاته العلمية والإنسانية موضوعًا مباشرًا للتجربة والاختبار. عندها تتغير مقاييس الأشياء، وتتراجع تفاصيل كثيرة كانت تبدو عظيمة، وتظهر في الأفق أسئلة أكثر عمقًا: ماذا بقي؟ ماذا يمكن أن نفعل بما بقي؟ وهل يستطيع الإنسان أن يحافظ على معنى وجوده حين يتراجع جسده؟ وهل المرض قادر على اختزال الإنسان في أعضائه وأوجاعه، أم أن في الإنسان منطقة أعمق من الجسد لا يستطيع المرض الوصول إليها؟
لقد تعلمنا من تجربة المرض أن الناس غالبًا ما ينظرون إلى ما فقدناه، بينما كنا نحن منشغلين بسؤال مختلف تمامًا: ماذا بقي لنا؟ وهذه ليست مجرد لعبة لغوية بين الفقد والبقاء، وإنما هي تَحَول فلسفي كامل في طريقة النظر إلى الوجود. فالإنسان الذي يحصي خسائره فقط قد يتحول إلى سجين لما فقد، أما الإنسان الذي يبحث عما بقي فيعيد بناء إمكاناته من داخل الرماد. وفي الفلسفة الوجودية، كما في التجارب الإنسانية الكبرى، لا تتحدد قيمة الإنسان بما يحدث له وحده، بل بالطريقة التي يستجيب بها لما يحدث له؛ لأن الحدث قد يكون خارج الإرادة، لكن الموقف منه يظل مجالًا واسعًا للوعي والإرادة والمعنى.
لقد أخذ المرض منا أشياء كثيرة، ولا نريد إنكار ذلك أو تجميل الحقيقة. أخذ من الجسد بعض قوته، ومن الأيام بعض عفويتها، ومن الحركة بعض سهولتها، وربما فرض على الحياة إيقاعًا مختلفًا لم نكن نختاره بإرادتنا. لكنه، رغم ذلك كله، لم يأخذ العلم، ولم يأخذ الخبرة، ولم يأخذ القدرة على التفكير، ولم يأخذ الرغبة في الكتابة، ولم يأخذ المسؤولية الأخلاقية تجاه المعرفة، ولم يأخذ الرسالة التي آمن بها الإنسان طوال حياته. وهنا يكمن الفرق بين أن يخسر الإنسان بعض قدراته وبين أن يخسر ذاته؛ فالمرض قد يُضَيِّق دائرة الحركة، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يغلق دائرة المعنى.
ولعل المرض يضعنا أمام سؤال فلسفي أعمق يتعلق بالجسد ذاته: هل الإنسان هو جسده فقط؟ أم أن الجسد، على أهميته الجوهرية، يُمَثِّل أحد أبعاد الوجود الإنساني ولا يستنفد حقيقته كلها؟ إن الإنسان لا يعيش خارج جسده، ولا يستطيع أن يتعامل معه بوصفه شيئًا هامشيًا؛ فالجسد هو وسيلته إلى العالم، ومن خلاله يتحرك ويعمل ويحب ويكتب ويتعلم ويصنع علاقاته. لكن اختزال الإنسان في جسده يُمَثِّل اختزالًا للوجود الإنساني نفسه؛ لأن الإنسان كائن بيولوجي، لكنه في الوقت ذاته كائن واعٍ، صاحب ذاكرة وقيم ومشروع ورسالة. ولذلك فإن تراجع بعض وظائف الجسد لا يعني بالضرورة انهيار البنية الكاملة للإنسان، بل قد يدفع الوعي إلى إعادة اكتشاف المستويات التي تتجاوز الأداء الجسدي المباشر. وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا: إذا كان الجسد قد فقد بعض ما كان يستطيع فعله، فهل فقد الإنسان كل ما يستطيع أن يكونه؟ والجواب، في تقديرنا، هو لا؛ لأن القدرة على الفعل ليست هي نفسها قيمة الوجود، كما أن انخفاض القدرة البيولوجية لا يساوي بالضرورة انخفاض القيمة الإنسانية.
لقد أدركنا أن هناك ثروات لا تظهر في الحسابات المصرفية، وأن رأس المال الإنساني الحقيقي ليس كله في العضلات والأجساد السليمة، بل جزء عظيم منه يكمن في المعرفة والذاكرة والخبرة والقدرة على إنتاج الأفكار. قد يضعف الجسد، لكن فكرة واحدة قد تبقى أقوى من الجسد. وقد يتعب صاحبها، لكن كتابًا كتبه، أو طالبًا عَلَّمه، أو باحثًا ألهمه، أو فكرة أودعها في الوعي العام، قد تستمر بعد أن يرحل الجسد بسنوات طويلة. ولذلك فإن أعظم مقاومة للزوال ليست في التشبث بالحياة البيولوجية وحدها، وإنما في صناعة أثر يتجاوز العمر البيولوجي للإنسان.
من هنا يصبح المرض، على نحو مفارق، كاشفًا لا عن ضعف الإنسان فقط، وإنما عن تركيبته العميقة. إنه يكشف هشاشة الجسد من جهة، لكنه يكشف في الوقت نفسه قدرة الوعي على إعادة ترتيب الأولويات من جهة أخرى. فالإنسان السليم قد يعيش سنوات طويلة دون أن يسأل نفسه: لماذا أعيش؟ وما الذي أريد أن أتركه؟ وما الذي يستحق أن أستهلك من أجله ما تبقى من طاقتي؟ أما حين يواجه المرض، فإن الزمن نفسه يتحول من خلفية صامتة إلى عنصر حاضر في التفكير. تصبح الساعة أكثر وضوحًا، واليوم أكثر قيمة، والصفحة المكتوبة أكثر أهمية، والكلمة الصادقة أكثر وزنًا.
والمرض لا يُغَيِّر الجسد وحده، بل يعيد تشكيل إدراك الإنسان للعالم. فالزمن الذي كان يبدو قبل المرض ممتدًا ومتاحًا يصبح أكثر كثافة وحضورًا، والمكان الذي كان مجرد فضاء للحركة قد يتحول إلى حدود جديدة للقدرة، والساعة التي كانت تمر دون انتباه تصبح وحدة محسوسة من الوجود. إن هذه التحولات تكشف أن الزمن ليس مجرد عقارب تتحرك على ساعة، وإنما هو تجربة يعيشها الإنسان من الداخل. ولذلك فإن المرض يَعَرِّي الوهم الذي نعيش فيه عادة، وهو وهم أن الوقت ملك لنا وأن المستقبل مضمون. فجأة يكتشف الإنسان أن ما كان يسميه غدًا ليس حقًا مكتسبًا، وأن قيمة اللحظة لا تأتي من طولها وإنما من مقدار الوعي الذي نضعه فيها. ومن هنا يمكن فهم المرض بوصفه تجربة تكشف البنية الخفية لعلاقة الإنسان بالزمن: فنحن لا نعاني فقط من الألم، وإنما نعاني أحيانًا من انكشاف محدودية الزمن الذي كنا نتصرف تجاهه وكأنه غير محدود.
لقد ربطت ثقافات كثيرة عبر التاريخ بين القوة والصحة الجسدية، وكأن الإنسان القوي هو الذي لا يمرض ولا يتعب ولا يتراجع. غير أن التجربة الإنسانية الطويلة تثبت أن مفهوم القوة أكثر تركيبًا من ذلك بكثير. القوة قد تكون في الصبر، وفي ضبط الانفعال، وفي المحافظة على العقل تحت الضغط، وفي القدرة على تحويل الألم إلى معرفة، وفي الاستمرار في أداء الرسالة رغم تغير الظروف. وليس أقوى إنسان من لا يسقط، وإنما قد يكون الأقوى هو من يسقط ثم يجد في داخله سببًا جديدًا للنهوض.
إن عزيمتنا ليست إنكارًا للمرض، وليست دعوى بأن الإنسان يستطيع السيطرة على كل شيء. نحن نعرف حدود الجسد، ونعرف أن الطب له قوانينه، وأن الطبيعة لها شروطها، وأن الحياة والموت بيد الله سبحانه وتعالى. لكن الاعتراف بحدود القدرة لا يعني الاستسلام قبل استنفاد القدرة. هناك فرق هائل بين التسليم بحقيقة الوجود وبين الاستسلام للعجز النفسي. الأول حكمة، والثاني هزيمة داخلية.
ولهذا فإن مقاومتنا للمرض ليست حربًا عبثية ضد حقيقة بيولوجية، وإنما هي موقف إنساني وأخلاقي من الحياة. نحن لا ندعي أننا نستطيع إلغاء المرض بالإرادة وحدها، ولا نضع العزيمة في مواجهة العلم والطب، بل نرى أن الإرادة والعلم والرعاية الطبية والصبر النفسي يمكن أن تتكامل في مواجهة المحنة. فالمريض ليس مجرد جسد تنتظر أعضاؤه العلاج، بل إنسان كامل يحتاج إلى الأمل والمعنى والطمأنينة، وإلى أن يشعر بأن حياته ما زالت ذات قيمة.
ومن هنا تأتي أهمية علم النفس في فهم المرض؛ فالمرض لا يسكن العضو المصاب وحده، بل يدخل إلى شبكة واسعة من المشاعر والتوقعات والمخاوف والعلاقات. وقد يتحول الألم الجسدي، إذا استولى عليه الخوف، إلى تجربة نفسية أكثر قسوة، بينما يستطيع المعنى والأمل والدعم الاجتماعي أن يساعدوا الإنسان على تحمّل المحنة بصورة أفضل. وهذا لا يعني أن التفكير الإيجابي يعالج المرض بذاته، وإنما يعني أن الحالة النفسية جزء مهم من تجربة الإنسان مع المرض، وأن الإنسان يحتاج إلى معالجة الإنسان كله لا العضو وحده.
ومن الخطأ، في المقابل، أن ننظر إلى المرض من منظور عضوي صرف، كما أنه من الخطأ أن نذهب إلى الطرف الآخر فَنَحَوِّل الإرادة النفسية إلى بديل عن الطب. الحقيقة أكثر تركيبًا؛ فالإنسان يعيش المرض باعتباره تجربة كلية تتداخل فيها البيولوجيا والنفس والوعي والعلاقات الاجتماعية والمعنى. إن الألم الجسدي حقيقة لا يلغيها التفاؤل، والعلاج الطبي ضرورة لا يستبدلها الخطاب المعنوي، لكن الإنسان يحتاج في الوقت نفسه إلى إطار يُفَسِّر من خلاله محنته ويمنعها من التحول إلى تعريف كامل لذاته. ولهذا فإن الطب يعالج المرض، بينما يحتاج الإنسان أيضًا إلى ما يعيد بناء علاقته بالمرض؛ وهنا تلتقي المعرفة الطبية بالمعرفة النفسية والفلسفية والأخلاقية. فليس المطلوب أن نقنع المريض بأن الألم غير موجود، وإنما أن نساعده على ألا يصبح الألم هو الحقيقة الوحيدة التي يرى العالم من خلالها.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله المرض ليس أن يؤلم الجسد، وإنما أن يقنع الإنسان بأن حياته فقدت قيمتها. حين يصدق المريض أنه أصبح عبئًا، أو أن إنتاجه انتهى، أو أن أيامه لم تعد جديرة بأن تُعاش، فإن المرض يكون قد انتقل من الجسد إلى المعنى. أما حين يقول الإنسان: ما زال لدي شيء أقدمه، فإنه يفتح لنفسه نافذة جديدة في جدار المحنة. قد لا يستطيع أن يفعل كل ما كان يفعله، لكنه يستطيع أن يفعل ما يستطيع فعله، وهذه العبارة البسيطة تحمل فلسفة كاملة في مقاومة الانكسار.
ولعل من أعمق دروس التجربة أن قيمة الإنسان لا ينبغي أن تُقاس بحجم إنتاجه في لحظة واحدة، وإنما بالمسار الكلي الذي قطعه وبالأثر الذي تركه. فالكتاب الذي يكتبه الباحث، والمحاضرة التي يلقيها الأستاذ الدكتور (البروفيسور)، والفكرة التي يزرعها في عقل طالب، والوثيقة التي يحفظها المؤرِّخ، والمقالة التي توقظ سؤالًا في ذهن قارئ، كلها أشكال من الحياة الممتدة. إن المعرفة تتحول إلى نوع من الحياة الثانية التي يستطيع الإنسان أن يتركها وراءه.
وهنا تظهر فلسفة الإرث العلمي والمعرفي. فالإرث ليس ما يتركه الإنسان من ممتلكات مادية فقط، وإنما ما يتركه من أفكار ومفاهيم ومناهج وشهادات وكتب وتجارب. وربما كان أعظم إرث للإنسان أن يضيف إلى الوعي الإنساني شيئًا لم يكن موجودًا قبله، أو أن يحفظ شيئًا كان معرضًا للنسيان. إن الحضارات لم تبقَ لأن أجساد أصحابها بقيت، وإنما بقيت لأن أفكارهم وعلومهم ونصوصهم وآثارهم قاومت الفناء.
ومن هذا المنظور، تصبح الكتابة فعل مقاومة. إنها ليست مجرد ترتيب للكلمات على الورق أو على شاشة الحاسوب، بل محاولة لتأجيل النسيان. الكاتب يكتب لأنه يعرف أن الذاكرة البشرية ناقصة، وأن الزمن يلتهم التفاصيل، وأن المجتمعات التي لا توثق تاريخها تصبح عرضة لأن يكتب الآخرون تاريخها نيابة عنها. ولذلك فإن الكتابة، بالنسبة إلى الباحث والمؤرخ، ليست ترفًا، وإنما مسؤولية تجاه الماضي والحاضر والمستقبل.
لقد جعلتنا تجربة المرض نرى الزمن بصورة مختلفة. كان الزمن قبل المرض شيئًا نستهلكه دون أن نشعر، أما بعده فأصبح شيئًا نفاوضه. كل يوم يصبح فرصة، وكل ساعة تصبح إمكانية، وكل صفحة يمكن أن تكون لبنة في بناء معرفي أكبر.
إن الإنسان الذي يواجه المرض يحتاج إلى أن يتعلم فن التوازن: أن يعمل دون أن يستهلك نفسه، وأن يقاوم دون أن ينكر حدود جسده، وأن يأمل دون أن يبني أوهامًا، وأن يطلب العلاج دون أن يتخلى عن مسؤوليته، وأن يعرف متى يواصل ومتى يستريح. وهذه ليست فلسفة استسلام، بل فلسفة عقلانية في إدارة الطاقة الإنسانية. فالاستمرار الحقيقي ليس في أن نحرق الجسد، وإنما في أن نحافظ على القدرة على الاستمرار أطول ما يمكن.
ومن هنا يمكن النظر إلى الحياة بعد المرض باعتبارها عملية جديدة لإدارة ما يمكن تسميته رأس المال الحيوي للإنسان. فكما تدير الدول مواردها المحدودة وفق أولويات إستراتيجية، وكما تدير المؤسسات رأس مالها المادي والمعرفي، يحتاج الإنسان المرهق جسديًا إلى إدارة طاقته بوصفها موردًا محدودًا له قيمة. وهذا لا يعني تحويل الحياة إلى حسابات باردة، وإنما يعني أن الحكمة تقتضي معرفة أين نضع ما تبقى من الطاقة، وما الذي يستحق أن نستهلك من أجله جهدنا، وما الذي ينبغي أن نتركه لأنه لم يعد يحمل قيمة حقيقية. إن المرض، بهذا المعنى، لا يُعَلِّمنا فقط كيف نقاوم، بل يُعَلِّمنا كيف نختار معاركنا، وكيف نميز بين الضروري والهامشي، وبين ما يستحق أن نكتب من أجله وما لا يستحق أن نستهلك أعصابنا ووقتنا من أجله. وقد تكون هذه إحدى أهم الهدايا المعرفية القاسية التي تفرضها المحنة: أن تجعل الإنسان أكثر اقتصادًا في جسده، وأكثر دقة في وقته، وأكثر صرامة في تحديد أولوياته.
إن العناد الذي نتحدث عنه ليس عنادًا ضد الطبيعة، ولا تحديًا للقدر، ولا رفضًا لحقيقة الفناء؛ إنه عناد الإنسان في ألا يسمح للمحنة بأن تعيد تعريفه تعريفًا ناقصًا. قد يقول المرض: أنت مريض. لكننا نقول: نعم، نحن مرضى، ولسنا المرض نفسه. قد يقول الألم: أنت ضعيف. فنقول: قد يكون جسدي متعبًا، لكن هذا لا يلغي علمي ولا خبرتي ولا رسالتي ولا قدرتي على التفكير والعطاء. إن الإنسان أكبر من التشخيص الذي يحمله.
وهنا تكمن قيمة الهوية الإنسانية. فالإنسان لا يتكون من جسده فقط، وإنما من ذاكرته وأفكاره وعلاقاته وقيمه وأعماله ومواقفه وتاريخه. وإذا اختزلناه في مرضه، فقد ارتكبنا خطأً فلسفيًا قبل أن يكون خطأً اجتماعيًا. المريض ليس مرضًا يمشي، وإنما إنسان يعيش تجربة مرضية. وهذه التفرقة ضرورية لأنها تحمي كرامة الإنسان من أن تختزلها الحالة الصحية.
وفي أعماق النفس البشرية توجد حاجة شديدة إلى أن يشعر الإنسان بأن وجوده ذو معنى. وهذه الحاجة قد تكون أعمق من حاجته إلى الراحة نفسها. وقد يستطيع الإنسان تحمل قدر كبير من الألم إذا وجد سببًا يجعل تحمله ذا معنى، بينما قد ينهار أمام ألم أقل حين يشعر بأن لا جدوى منه. لذلك فإن صناعة المعنى ليست ترفًا فلسفيًا، بل إحدى أهم الآليات التي تساعد الإنسان على إعادة تنظيم علاقته بالمحن.
** **
- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ