منصور بن صالح العُمري
ما أصعب أن تكتب عن وجهٍ عرفتَه مبتسمًا، ثم تعلم أن آخر عهده بالدنيا قد كان اليوم.
كانت خالتي زينب من أولئك الذين إذا رأيتهم ظننت أن الحياة رَفَقَت بهم؛ لأن وجوههم لا تفضح أوجاعهم، حتى إذا اقتربت من سيرتهم عرفت أن وراء تلك الابتسامة عمرًا كاملًا كان يمشي على الأشواك حافيًا.. ويحمد الله.
تناوشتها الظروف من جهاتٍ شتى، وكأن الأحزان كانت تعرف بابها؛ فما إن يخرج حزن حتى يطرق آخر، وما إن يهدأ وجع حتى يستيقظ غيره، حتى لو كان للحزن دفترٌ يسجّل فيه من أثقلهم حملًا، لكان لزينب فيه صفحات.
ومع ذلك.. لم تستطع الحياة أن تنتزع ابتسامتها.
كانت ابتسامةً عجيبة؛ لا ابتسامةَ من لم يعرف الحزن، بل ابتسامةَ من عرفه طويلًا حتى عرف أن فوق الحزن ربًّا رحيمًا.
لم تكن ستارًا تخفي وراءه اعتراضًا، وإنما نافذةً يطل منها الرضا؛ حتى ليخيَّل لمن يراها أن وجهها لا يبتسم بشفتيه وحدهما، بل تبتسم ملامحه كلها.
أبعدتها ظروف زواجها عن أهلها، فسافرت المسافة بجسدها ولم تستطع أن تحمل قلبها معها؛ بقي قلبها هناك، في بيت أهلها، وبين إخوتها وأحبابها، يفرح إذا فرحوا، ويوجعه ما يوجعهم، كأنها غصنٌ امتد بعيدًا وبقي جذرُه في تربته الأولى.
ثم دارت الأيام دورتها الثقيلة، وبعد عقودٍ كُتب عليها فقد والديها تباعاً، وكأن العمر أراد أن يختبر مرةً أخرى مقدار ما يتسع له ذلك القلب.
هناك كان يمكن للحزن أن ينتصر، وأن يطفئ في وجهها آخر مصباح؛ لكنها حملت جرحها إلى الله، وعادت تقول ما ألفنا منها: الحمد لله. ثم جاء المرض.
ولم يأتِ وحده؛ كأن الأمراض حين وجدت جسدًا أنهكته السنون تداعى بعضها إلى بعض، تتناوب عليه عامًا بعد عام، وتأخذ منه شيئًا بعد شيء؛ حتى غدا الجسد ميدانًا للألم، وصارت العافية زائرةً شحيحة المرور.
ومع كل ذلك بقي شيء واحد لم تستطع الأمراض الوصول إليه: ابتسامتها.
كان المرض يأخذ من قوتها، ولا يأخذ من رضاها.
يُتعب جسدها، ولا يُتعب لسانها عن الحمد.
يضيّق عليها أيامها، ولا يضيّق قلبها عن الناس.
يدخلون عليها وهم يهيئون في صدورهم كلمات المواساة، فيخرجون وهم الذين تلقوا العزاء.
يزورونها لأنها مريضة، فتسأل هي عن أحوالهم وتطمئن على أولادهم.
نرقُّ لوجعها، فترقُّ هي لمكروبٍ تعرفه.
نريد أن ندعو لها، فتسبقنا بالدعاء.
ننظر إلى جسدٍ أنهكته العلل، فإذا بقلبها يتنقل بين غائبٍ تسأل عنه، ومريضٍ تستودعه الله، ومهمومٍ تدعو أن يفرّج الله كربه.
وكأن الألم كان واقفًا عند باب قلبها لا يؤذن له بالدخول؛ له أن يسكن من الجسد ما يشاء، أما القلب ففيه ربٌّ تُرجى رحمته، وأهلٌ تُحمل همومهم، وأناسٌ لا بد أن يُدعى لهم.
سبحان الله!
كم كان في ذلك الفراش من وجع، وكم كان حوله من طمأنينة!
كان الزائر يدخل عليها يحمل قلبًا صحيح الجسد مثقلَ الهم، وهي على فراشها تحمل جسدًا مثقلًا بالأوجاع وقلبًا مطمئنًا، فيعود الصحيح بشيءٍ من عافية روح المريضة.
أيُّ امرأةٍ كنتِ يا زينب؟!
كم مرةً عضَّك الألم فلم يسمع الناس منك إلا الحمد؟
وكم مرةً اختبأ الوجع خلف ابتسامتك حتى ظن الزائر أنك تسلينه لا أنه جاء ليسليك؟
وكم ليلةٍ عرفت وسادتك ما لم نعرفه نحن، ثم أشرقتِ في الصباح على الناس بوجهٍ لم يخبرهم بشيء؟
لعل وسادتها وحدها كانت تعرف كم كان ثمن تلك الابتسامة غاليًا.
ثم جاء هذا المساء.. مساء الجمعة.
وجاء الرحيل في ساعةٍ ترجى فيها الإجابة، فكأن الله ـ ونرجو رحمته ـ أراد أن يكون آخر ما يصحب خبرها في الدنيا أكفًّا ترتفع إلى السماء.
ينتقل الخبر من بيتٍ إلى بيت: ماتت زينب.
فيقول هذا: رحمها الله.
ويقول ذاك: اللهم اغفر لها.
وترتفع يدٌ هنا، وينكسر قلبٌ هناك، وتلهج ألسنةٌ أحبتها بالدعاء..
ولعل دعوةً خرجت في ساعة الإجابة من قلبٍ أحبها تبلغ من رحمة الله ما لا تبلغه كلمات الرثاء كلها.
اليوم فقط..
غابت الابتسامة التي عجزت الأحزان عن إطفائها.
أغمضت زينب عينيها بعد أن رأت من الدنيا ما رأت، وسكن الجسد الذي طالما تناوبت عليه الأوجاع، وانتهت رحلة المرض التي امتدت سنوات.
فلا دواء الليلة.
ولا موعد طبيب.
ولا ألمٌ يوقظها.
ولا جسدٌ تتألم منه وهي تأبى أن تشكو.
لقد تركت أوجاعها كلها هنا.. ورحلت وحدها إلى رحمة الله.
فاللهم إن زينب أتعبها المرض حتى لم يبق في جسدها موضعٌ إلا وعرف شيئًا من الألم، فاجعل كل موضعٍ تألم منها شاهدًا لها لا عليها.
اللهم إنك رأيت ما لم نر، وسمعت من أنينها ما لم نسمع، وعلمت من صبرها ما لم نعلم؛ فلا تجعل شيئًا من ذلك يضيع عندك، وأنت الذي لا يضيع عنده مثقال ذرة.
اللهم إن لسانها طالما سبق شكواها بحمدك، وقابل أقدارك بالرضا، فاستقبلها برضاك، وأبدلها عن فراش المرض روضةً من رياض الجنة، وعن ضيق الألم سعة الرحمة، وعن وحشة الرحيل أنسًا بك.
اللهم إنها فقدت ولدها في الدنيا، فاجمعها به في الجنة جمعًا لا فراق بعده؛ واجعل أول أفراحها هناك لقاءً يمحو من قلبها آخر أثرٍ لأحزان هنا.
اللهم إنها كانت وهي المريضة الأشد وجعاً تسأل عن المرضى، وهي صاحبة الوجع تدعو للموجوعين، وهي المثقلة بهمومها تحمل هموم الآخرين؛ فقد سكت اليوم ذلك اللسان الذي طالما دعا لهم، فلا تحرمها يا رب من ألسنةٍ تدعو لها.
توفيت في ساعة من يوم الجمعة تُرجى فيها الإجابة، وخبرها ما زال غضًّا يطوف بقلوب محبيها؛ فاجعل كل يدٍ ارتفعت لها بابًا من الرحمة، وكل عينٍ دمعت عليها شاهد محبة، وكل قلبٍ حزن لفقدها سببًا في دعوة تبلغها في قبرها نورًا وسلامًا.
رحمك الله يا خالتي زينب..
لقد علمتنا -من غير موعظة- أن الصبر قد يكون ابتسامةً على وجهٍ أنهكته الحياة، وأن الرضا قد يكون كلمة «الحمد لله» تخرج من بين أضلاعٍ يعتصرها الوجع، وأن بعض الناس لا يحدثونك عن الله كثيرًا، لكنك ترى أثر معرفتهم به في الطريقة التي يستقبلون بها أقداره.
وعلَّمني حالُها أنَّ التشكِّي يذوب حين يرى الصابرُ دمعةَ الرضا تغسل أدرانَ عمره، وأنَّ ابتسامةَ التسليم لقدر الله تجمع من شتات سعادته ما بعثره الألم؛ فكأنَّ البلاء يأخذ من الجسد شيئًا، ليترك في الروح شيئًا أجمل.
سيبقى وجهك في الذاكرة كما عرفناه:
تزدحم خلفه الأحزان..
وتفيض منه الابتسامة.
رحلت صاحبة ذلك الوجه، ولكن بقيت ابتسامتها تقول لنا آخر ما قالت في حياتها دون كلام: إن كان الله معي، فماذا تصنع بي الأحزان؟
رحمك الله رحمةً تليق بصبرك، وغفر لك مغفرةً تمحو كل تقصير، وجعل قبرك أول منزلٍ ترتاحين فيه من أوجاع الدنيا كلها.
اللهم لقد ابتسمت أم عماد في وجه أقدارك المؤلمة رضا بك.. فأرها من جميل رحمتك ما يجعل ابتسامتها القادمة لا يعقبها وجع، ولا تخفي وراءها حزنًا، ولا يقطعها فراق. (إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ).