تخيّل مصلّياً يجلس يوم الجمعة، يستطيع أن يُكمل جملة الخطيب قبل أن تبلغ مسامعه، لأنه سمعها من قبل عشرات المرات بالنص والحرف، وهذا ليس افتراضاً نظرياً، بل مشهد يتكرر أسبوعياً في كثير من مساجدنا، حين تحوّل المنبر إلى وعاء لسرد نصوصٍ جاهزة ومواعظَ محفوظة، بدلاً من أن يكون ما وُجد له أصلاً: أداةً لبناء الوعي وتغيير السلوك.
يعتمد كثير من الخطباء -مشكورين على جهدهم واجتهادهم- على مواد جاهزة تتكرر في دورة سنوية شبه ثابتة تُستنسخ من عام إلى عام، فتكون النتيجة بأن المستمع، من فرط التكرار، يتوقف عن معالجة الكلام بوصفه رسالة تستدعي التفكير والاستجابة، ويعالجه بوصفه «خلفية صوتية» مألوفة يمر عليها الذهن دون أن يتوقف عندها، وهنا مكمن الخطورة: فالخطبة لا تفشل لأن مضمونها خاطئ، بل لأنها فقدت قدرتها على الوصول، كلمات صحيحة تماماً، لكنها تُقال في فراغ، بمعزل عن سياق حي يخاطب واقع الحاضرين المتجدد بمشكلاته وأسئلته وتحدياته اليومية.
لماذا يفقد التكرار أثره؟ لأن معنى الكلمة وقوتها لا يكمنان في مجرد وجودها أو صحتها، بل في حيويتها داخل سياق حي يلامس واقعاً ملموساً، فإذا تكررت العبارة بمعزل عن هذا السياق، تحوّلت مع الوقت إلى صدى مألوف يمر على الأذن دون أن يبلغ القلب أو يُغيّر سلوكاً، هذا هو الفارق الجوهري بين أن «تُقال» الكلمة وأن «تُستخدَم» لإحداث أثر فعلي؛ وهو فارق يفسّر لماذا يمكن لمصلٍّ أن يحفظ الخطبة عن ظهر قلب، دون أن يُغيّر ذلك شيئاً في سلوكه أو خياراته اليومية، فالمصلون، في الغالب، لا يحتاجون إلى من يخبرهم بأن الصدق فضيلة والكذب رذيلة، أو أن بر الوالدين واجب، فهم يعرفون هذه الأحكام في صورتها العامة، لكنهم يحتاجون إلى من يكشف لهم تجلياتها الخفية في الحياة المعاصرة.
وهنا.. لا يكمن البديل المقترح بمجرد «تجديد الأسلوب» بالمعنى الشكلي، بل نقل الخطبة من نمط الإلقاء إلى نمط أقرب إلى برنامج تدريبي مصغر متجدد أسبوعياً، له أهداف واضحة وتراكم معرفي وسلوكي عبر الزمن، بدلاً من التكرار العشوائي غير المترابط، ويمكن أن يقوم هذا النموذج على ست ركائز عملية:
أولاً: تصميم مسار موضوعي تُبنى فيه كل خطبة على ما يحتاج المواطن والمجتمع من مهارات، وبدلاً من أن تكون الخطبة منفصلة عن الواقع تكون جزءاً من مشروع الرؤية في شقه التوعوي والثقافي.
ثانياً: أن تستهدف كل خطبة سلوكاً محدداً وقابلاً للملاحظة -كالالتزام بالأمانة في العمل، أو الوفاء بموعد، أو حسن التعامل مع الآخرين- بدل الاكتفاء بعموميات أخلاقية لا تُترجم إلى أثر عملي.
ثالثاً: ربط الموضوع بمواقف حياتية معاصرة وقضايا الناس اليومية الفعلية، لا بأمثلة تراثية بعيدة عن واقعهم المعيش.
رابعاً: تنويع أسلوب الطرح بين سؤال يُطرح للتفكير، وتطبيق عملي مقترح يُختبر خلال الأسبوع، وقصة جديدة غير مكررة، بدل الاعتماد على قالب واحد ثابت.
خامساً: التركيز على أثر الخطبة في التغيّر السلوكي الفعلي في المجتمع، لا عبر زخرفة المحتوى وطول الخطبة وحدهما.
سادساً: تأهيل الخطباء على مهارات التواصل والتأثير، لا الحفظ والإلقاء وحدهما، بوصف ذلك جزءاً أصيلاً من إعدادهم لا خيارات إضافية.
الخاتمة: يمتلك منبر الجمعة فرصة أسبوعية نادرة يجتمع فيها الناس طواعية، بلا إكراه ولا رسوم ولا دعوة مسبقة؛ وحين نُفرغها من أثرها عبر التكرار الجاف، نُضيّع فرصة تربوية استثنائية لا تتكرر بسهولة في أي مؤسسة أخرى، الدعوة هنا موجهة لكل خطيب، ولكل جهة معنية بإعداد الخطباء وتأهيلهم: أن يُعاد النظر في تصميم الخطبة من الأساس -من نصٍّ يُسرد إلى برنامج وعي يُصنع أثره أسبوعاً بعد أسبوع، فالمنبر إما أن يكون منبر وعي يبني، أو منبر سرد يُكرّر؛ ولا ثالث بينهما. وهذا المقال مشاركة مع ما يبذله معالي وزير الشؤون الإسلامية من توجيه لإعطاء خطبة الجمعة القيمة التي تستحقها.
** **
د. هاني إبراهيم المشيقح - جامعة القصيم - عضو جمعية الفلسفة السعودية