صبحي شبانة
يأتي لقاء ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، ليؤكد أن البحث عن مخارج سياسية وتسويات سلمية لا يزال حاضرًا بقوة، وأن المنطقة لا يمكن أن تظل رهينة لمسار عسكري مفتوح يدفع الجميع كلفته، فالرياض التي أثبتت في أكثر من محطة قدرتها على احتواء التصعيد وفتح نوافذ للحوار، تبدو اليوم أكثر حضورًا في محاولة منع انزلاق المنطقة إلى حرب طويلة يصعب التحكم في مساراتها ونتائجها، ومن هنا، فإن الحرب العسكرية والضغوط الاقتصادية تتحركان في اتجاه واحد، وتستهدفان في النهاية قدرة إيران على الاستمرار، ودفعها إلى تغيير حساباتها والقبول بتسوية سياسية بشروط مختلفة عما كانت عليه قبل الحرب، لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد أشهر من المواجهة: ماذا حققت هذه الحرب حتى الآن؟، وهل استطاعت الولايات المتحدة وإسرائيل الوصول إلى النتيجة التي أرادتاها، أم أن الصراع بدأ يتحول إلى حرب استنزاف طويلة، فيما تتحرك الرياض وباريس وعواصم أخرى للبحث عن تسوية تُبعد شبح الحرب عن الشرق الأوسط، قبل أن تصبح كلفة استمرارها أكبر من قدرة الجميع على تحملها؟.
ولهذا تكتسب التحركات السعودية أهمية استثنائية في هذه اللحظة، ليس فقط لأن المملكة هي الدولة العربية الأكبر وزنًا في الخليج، وإنما لأن الرياض أثبتت خلال السنوات الماضية أنها قادرة على الجمع بين الردع والدبلوماسية، وبين حماية مصالحها ومحاولة منع انتقال الصراع إلى حرب إقليمية شاملة، وقد ظهر ذلك في مسار المصالحة السعودية الإيرانية عام 2023، ثم في المواقف السعودية المتكررة خلال الأزمة الحالية، حيث لم تتردد المملكة في إدانة الهجمات التي طالت دول الخليج، وفي الوقت نفسه واصلت الدعوة إلى الحوار والتهدئة والعودة إلى الحلول الدبلوماسية.
وفي الثاني من أغسطس الجاري، أجرى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان اتصالًا بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأكد خلاله ضرورة تغليب لغة الحوار لخفض التصعيد، وبذل كل الجهود الممكنة لتحقيق التهدئة التي تمهد الطريق لحلول دبلوماسية تمنع الانجرار إلى صراع أوسع، وهي رسالة تعكس بوضوح أن الرياض لا تنظر إلى الحرب باعتبارها مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، وإنما باعتبارها خطرًا يمكن أن يطول الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي بأسره.
وإذا كانت الرياض قد مارست هذا الدور مع واشنطن، فإن أهمية التحرك السعودي تتضاعف خلال لقاء الأمير محمد بن سلمان بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس، وسط أزمة إيرانية لم تجد حتى الآن طريقها إلى تسوية نهائية، وهو لقاء يأتي في توقيت بالغ الحساسية، ويمنحه مضمونًا يتجاوز العلاقات السعودية الفرنسية إلى البحث عن مساحة أوسع للحلول السياسية، خصوصًا أن فرنسا تملك تقليديًا أدوات اتصال مع أطراف مختلفة، وتتبنى موقفًا يدعو إلى خفض التصعيد والحفاظ على حرية الملاحة.
واللافت أن هذا اللقاء ليس منفصلًا عن مسار اتصالات متواصلة بين الرياض وباريس، فقد بحث الأمير محمد بن سلمان وماكرون في يونيو الماضي تطورات مذكرة التفاهم الأمريكية - الإيرانية والجهود المبذولة للوصول إلى حلول شاملة تحقق أمن المنطقة واستقرارها، وأكدا أهمية حرية الملاحة ودعم الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد، كما عاد الاتصال بينهما في أغسطس لمناقشة التطورات الإقليمية وسبل تعزيز الأمن والاستقرار وسلامة الملاحة البحرية، وهنا يمكن فهم أهمية لقاء باريس المرتقب باعتباره محاولة لبناء جسر سياسي جديد، وليس مجرد لقاء ثنائي، فالسؤال لم يعد فقط كيف نوقف الضربة المقبلة، وإنما كيف نخلق ظروفًا تجعل الأطراف المتحاربة تجد في التسوية مصلحة أكبر من الاستمرار في الحرب، وهذه مهمة لا تستطيع دولة واحدة القيام بها، لكنها تصبح أكثر قابلية للتحقق عندما تتحرك السعودية وفرنسا، بما تملكانه من علاقات دولية وأدوات سياسية، في اتجاه واحد، والأهم أن الأمير محمد بن سلمان لم يعد يتحرك في الفراغ، فقد اكتسبت الرياض خلال السنوات الأخيرة خبرة واسعة في إدارة الأزمات الإقليمية، وأثبتت في أكثر من محطة أن بإمكانها دفع الأطراف نحو التهدئة عندما تتوافر الإرادة السياسية، كما أن الثقة التي بنتها مع واشنطن وطهران ودول المنطقة تجعلها طرفًا قادرًا على نقل الرسائل الصعبة من دون أن تتحول إلى طرف في الحرب نفسها، وهذه ميزة سياسية لا تملكها كثير من عواصم المنطقة.
ولعل ما حدث في بداية أغسطس يقدم مثالًا مهمًا على ذلك، إذ كشفت تقارير أمريكية أن اتصالات ولي العهد مع الرئيس ترامب كانت جزءًا من الضغوط الخليجية التي ساهمت في إرجاء ضربة أمريكية واسعة كانت مطروحة ضد إيران، بينما أقر ترامب بأن مخاوف حلفائه الخليجيين بشأن التصعيد وتأثيراته على أمن المنطقة والطاقة كانت حاضرة في حساباته، وهو ما يجعل الدور السعودي في منع اتساع الحرب أكثر من مجرد موقف دبلوماسي معلن، وهنا تحديدًا تظهر قيمة الدبلوماسية السعودية، فهي لا تنطلق من موقف ضعيف أو من رغبة في تجنب المواجهة بأي ثمن، وإنما من إدراك أن الردع الحقيقي لا يكتمل بالقوة العسكرية وحدها، وأن أقوى الدول هي التي تستطيع أن تمنع الحرب عندما يكون منعها أكثر فائدة من خوضها، وأن النجاح السياسي لا يقاس فقط بالقدرة على الرد، وإنما أيضًا بالقدرة على وقف التصعيد قبل أن يتحول إلى حرب لا يستطيع أحد التحكم في مسارها.
إن اللقاء بين الأمير محمد بن سلمان وماكرون مهم لأنه يأتي في اللحظة التي بدأت فيها الحرب تكشف حدود القوة، وتظهر الحاجة إلى الدبلوماسية، وقد لا ينتج اللقاء وحده تسوية، ولا ينبغي تحميله أكثر مما يحتمل، لكنه يمكن أن يكون جزءًا من حراك أوسع يبحث عن مخرج سياسي، خصوصًا أن باريس والرياض تتفقان على أن استمرار التصعيد يهدد أمن المنطقة وحرية الملاحة والاستقرار الاقتصادي العالمي، وقد سبق للجانبين أن أكدا دعم الجهود الدبلوماسية لخفض التصعيد وضمان حرية الملاحة، لقد أثبتت الحرب أن إيران قادرة على الرد، لكنها أثبتت أيضًا أن قدرتها على تحمل الضربات ليست بلا حدود، وأثبتت الولايات المتحدة وإسرائيل أنهما قادرتان على إلحاق أضرار كبيرة بالقدرات الإيرانية، لكنهما أثبتتا في المقابل أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لإنهاء الصراع، وأثبتت السعودية في المقابل أن امتلاك القوة لا يعني بالضرورة استخدامها، وأن منع الحرب قد يكون أحيانًا إنجازًا إستراتيجيًا أكبر من خوضها، ولهذا فإن جدوى الحرب يجب ألا تقاس فقط بما دمرته، وإنما بما يمكن أن تنتجه بعد توقفها، فإذا تحولت نتائجها إلى تفاوض يضع قواعد جديدة للأمن الإقليمي، فقد يكون بالإمكان القول إنها فتحت الطريق إلى مرحلة مختلفة، أما إذا استمرت الضربات والعقوبات والتهديدات من دون أفق سياسي، فإنها ستتحول إلى حرب استنزاف لا رابح فيها.
الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب أخرى تثبت من الأقوى، وإنما يحتاج إلى تسوية تثبت أن القوة يمكن أن تصنع السلام بقدر ما تستطيع أن تصنع الحرب، وفي هذه اللحظة تحديدًا تصبح الدبلوماسية ليست بديلًا عن القوة، وإنما الاختبار الحقيقي لجدوى القوة، وتصبح قدرة ولي العهد السعودي على جمع الأطراف حول طاولة واحدة، أو على الأقل منعهم من الانزلاق إلى مواجهة أوسع، جزءًا من معادلة الأمن الإقليمي الجديدة، فالحرب التي لا تنتهي إلى تسوية سياسية ليست انتصارًا كاملًا، والسلام الذي لا يستند إلى قوة رادعة ليس سلامًا مستدامًا، وبين القوة والسلام تقف السعودية اليوم في موقع يسمح لها بأن تلعب دورًا أكبر في صياغة مخرج للمنطقة من هذه الأزمة، وربما يكون لقاء الأمير محمد بن سلمان والرئيس إيمانويل ماكرون في باريس خطوة أخرى على هذا الطريق، طريق البحث عن تسوية لا تمنح طرفًا انتصارًا على حساب المنطقة، وإنما تمنح المنطقة كلها فرصة للخروج من شبح حرب لا يبدو أن أحدًا قادر على تحمل استمرارها.