أحمد الأسمري
في 4 مارس 2018 كانت القاهرة أول وجهة خارجية للأمير محمد بن سلمان بعد مبايعته وليًا للعهد في 21 يونيو 2017، واليوم تأتي فرنسا أحدث محطاته الخارجية، في زيارة دولة هي الرابعة إليها منذ توليه ولاية العهد.
وبين النيل والسين امتدت خلال أكثر من ثمانية أعوام خريطة من الحركة الخارجية، حملت ولي العهد إلى وجهات خليجية وعربية وآسيوية وأوروبية وأمريكية، وجمعت بين زيارات الدولة والزيارات الرسمية وزيارات العمل والمشاركة في القمم، إلى جانب زيارات خاصة معلنة وزيارة لتقديم العزاء.
ومنذ توليه ولاية العهد، سجل الأمير محمد بن سلمان 49 محطة خارجية في 26 دولة. ولم يشهد ما تبقى من 2017 رحلة خارجية بعد المبايعة، كما خلال 2020 من الرحلات الخارجية في ظل جائحة كورونا، فيما تكشف بقية الأعوام عن دبلوماسية نشطة أثمر كثير من محطاتها مجالس تنسيق وشراكات إستراتيجية واتفاقيات استثمارية وتقنية ودفاعية ومسارات تعاون ممتدة.
القاهرة نقطة الانطلاق
بدأت الرحلات في مارس 2018 من مصر، بما تحمله من ثقل عربي ومكانة في العلاقات الخارجية السعودية.
ومن القاهرة انتقل ولي العهد إلى بريطانيا، حيث تأسس مجلس الشراكة الإستراتيجية، ثم إلى الولايات المتحدة في رحلة جمعت لقاءات البيت الأبيض باجتماعات مع قيادات الأعمال والتقنية والصناعات العسكرية.
ومن أبرز مخرجاتها اتفاق بين «سامي» و»بوينغ» لتوطين أكثر من 55 % من أعمال صيانة وإصلاح وعمرة الطائرات الحربية ونقل تقنيات مرتبطة بها.
وكانت تلك الجولة أكبر من مجرد تقديم قيادة شابة للعالم؛ فقد حملت معها «رؤية 2030» بوصفها مشروع دولة يبحث عن رأس المال والمعرفة والتقنية والأسواق والشركاء.
غرباً بناء الشراكات
في أبريل 2018 وصل ولي العهد إلى فرنسا، وبدأ التعاون حول العلا يأخذ صورته المؤسسية، ثم زار إسبانيا.
وفي يونيو زار روسيا والتقى الرئيس فلاديمير بوتين، فيما حضرت الطاقة واستقرار أسواق النفط في المباحثات، قبل زيارة الكويت في سبتمبر.
وفي نوفمبر وديسمبر اتسعت الدائرة: الإمارات، والبحرين، ومصر للمرة الثانية، وتونس، ثم الأرجنتين للمشاركة في قمة مجموعة العشرين، فموريتانيا والجزائر.
وهكذا اختتم 2018 بأربع عشرة محطة خارجية، هي الأعلى في عام واحد منذ توليه ولاية العهد، جمعت بناء العلاقات الثنائية بالحضور في المنابر الدولية، ورسخت سياسة خارجية تتحرك في دوائر متعددة.
شرقًا.. ثقل متصاعد
كان 2019 عام التوجه الآسيوي بامتياز. بدأ العام بباكستان، حيث تجاوزت الفرص الاستثمارية المرتبطة بالاتفاقيات ومذكرات التفاهم 20 مليار دولار، ثم الهند والصين، مع توسع الاهتمام بالطاقة والصناعة والاستثمار، والبحث عن مساحات التقاء بين «رؤية 2030» ومبادرة «الحزام والطريق».
وفي يونيو زار كوريا الجنوبية، ثم اليابان لترؤس وفد المملكة في قمة العشرين بأوساكا، قبل أن يعود إلى الإمارات في نوفمبر لترؤس الاجتماع الثاني لمجلس التنسيق السعودي - الإماراتي.
لم يكن الاتجاه شرقًا بديلًا عن الغرب، وإنما إضافة إلى خريطة العلاقات، بما يعكس انتقال آسيا إلى مركز متقدم في الاقتصاد العالمي وفي حسابات النمو السعودي.
الخليج.. الجوار أولًا
بعد توقف السفر الخارجي خلال 2020، عادت الحركة في ديسمبر 2021 بجولة خليجية شملت عُمان والإمارات وقطر والبحرين والكويت.
جاءت الجولة بعد قمة العلا، وحملت بعدًا سياسيًا واضحًا في تثبيت مرحلة جديدة من العمل الخليجي، بالتوازي مع نقل العلاقات الثنائية إلى مستويات أكثر مؤسسية.
وفي عُمان وُقعت 13 مذكرة تفاهم بين شركات سعودية وعُمانية بقيمة استثمارات تبلغ نحو 30 مليار دولار، وبرز مجلس التنسيق السعودي - العُماني إطارًا للتعاون.
وفي قطر حملت الزيارة دلالة خاصة على تجاوز مرحلة الخلاف، بينما واصلت العلاقات مع الإمارات والبحرين والكويت ترجمة متانة الروابط التقليدية إلى مجالس تنسيق ومشروعات ومصالح مشتركة. اتسعت خريطة ولي العهد عالميًا، لكن الخليج بقي الدائرة الأقرب.
2022.. الخريطة المتنوعة
بدأت تحركات 2022 بزيارة الإمارات في مايو لتقديم العزاء في وفاة الشيخ خليفة بن زايد، ثم جاءت جولة يونيو التي شملت مصر والأردن وتركيا. وفي القاهرة أُعلنت صفقات واتفاقيات استثمارية وتجارية بين القطاعين الخاصين بقيمة 8 مليارات دولار، فيما حملت أنقرة دلالة سياسية؛ إذ فتحت الزيارة مرحلة جديدة في العلاقات السعودية التركية بعد سنوات من التباعد. وفي يوليو زار اليونان، حيث أُنشئ مجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي - اليوناني، ثم فرنسا.
وعاد إلى مصر في نوفمبر للمشاركة في قمة «مبادرة الشرق الأوسط الأخضر» بشرم الشيخ، قبل جولة آسيوية شملت إندونيسيا لقمة العشرين، وكوريا الجنوبية، وتايلاند التي شهدت إنشاء مجلس التنسيق السعودي - التايلاندي بالتزامن مع اجتماع قادة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ «أبيك»، ثم قطر لحضور افتتاح كأس العالم.
كانت خريطة العام شديدة التنوع: تقارب سياسي، واستثمار، وطاقة، ومناخ، وتقنية، وسياحة، ورياضة.
الهند وأوروبا.. شراكات تتعمق
في يونيو 2023 عاد ولي العهد إلى فرنسا، فالتقى الرئيس إيمانويل ماكرون، وقاد وفد المملكة إلى قمة «من أجل ميثاق مالي عالمي جديد»، مع نشاط سعودي لدعم ملف الرياض لاستضافة «إكسبو 2030». وفي سبتمبر رأس وفد المملكة في قمة العشرين بنيودلهي، ثم أعقبت القمة زيارة رسمية للهند شهدت الاجتماع الأول لمجلس الشراكة الإستراتيجية السعودي - الهندي.
ومن أبرز ما ارتبط بتلك الأيام الإعلان عن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي يضع المملكة في قلب شبكة ربط جديدة بين آسيا وأوروبا.
ومن الهند انتقل إلى عُمان في زيارة خاصة معلنة، ثم زار قطر في ديسمبر للمشاركة في القمة الخليجية وترؤس اجتماع مجلس التنسيق السعودي - القطري.
وفي 2024 حضر القمة العربية في البحرين، ثم زار مصر في أكتوبر، حيث شُكل مجلس التنسيق الأعلى السعودي - المصري، ومنها إلى بروكسل لترؤس وفد المملكة في أول قمة خليجية أوروبية.
وفي ديسمبر شارك في القمة الخليجية بالكويت، ثم توجه إلى الإمارات في زيارة خاصة معلنة. وهنا بدت الدبلوماسية السعودية أكثر ميلًا إلى نقل العلاقات نحو هياكل مؤسسية دائمة.
واشنطن.. تحالف يتسع
في سبتمبر 2025 توجه ولي العهد إلى الدوحة لترؤس وفد المملكة في الدورة الاستثنائية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون والقمة العربية الإسلامية الطارئة عقب العدوان الإسرائيلي على قطر.
لكن المحطة الأثقل وزنًا جاءت في نوفمبر مع زيارة العمل الرسمية إلى واشنطن ولقاء الرئيس دونالد ترمب.شهدت الزيارة توقيع اتفاقية الدفاع الإستراتيجي، ووثيقة الشراكة الإستراتيجية للذكاء الاصطناعي، والإعلان عن اكتمال المفاوضات بشأن التعاون في الطاقة النووية المدنية، وأطرًا للتعاون في المعادن الحرجة والأسواق المالية والاستثمار، إلى جانب اتفاقيات ومذكرات تفاهم شهد منتدى الاستثمار السعودي - الأمريكي الإعلان عنها وتوقيعها بقيمة تصل إلى 270 مليار دولار. وهنا اتسع نطاق الشراكة التقليدية من النفط والأمن إلى الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية والمعادن والتقنية والاستثمار. واختتم ولي العهد العام بالمشاركة في القمة الخليجية في البحرين وترؤس اجتماع مجلس التنسيق السعودي - البحريني.
باريس.. أحدث المحطات
ويوم الجمعة الماضي، وبتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، غادر ولي العهد إلى فرنسا في زيارة دولة بدعوة من الرئيس إيمانويل ماكرون، لتصبح باريس أحدث محطات هذه الرحلة الدبلوماسية الطويلة. وتأتي الزيارة وقد اتسعت ملفات العلاقات السعودية - الفرنسية من السياسة والدفاع إلى الاستثمار والطاقة والثقافة والسياحة والتقنية، فضلًا عن تنسيق بارز بشأن القضية الفلسطينية.
ومن النيل إلى السين، لا تبدو 49 محطة مجرد سجل للسفر السياسي. ففي أكثر من ثمانية أعوام انتقلت الزيارات من تقديم «رؤية 2030» إلى العالم إلى بناء شبكات من مجالس التنسيق والشراكات الإستراتيجية، ومن استقطاب الاستثمار ونقل المعرفة إلى صناعة مصالح في الدفاع والذكاء الاصطناعي والطاقة والممرات الاقتصادية والمناخ.
وبين 26 دولة بقيت الفكرة التي تربط هذه الخريطة واضحة: دبلوماسية حيوية تحول اللقاء إلى شراكة، والشراكة إلى مشروع، والحضور الفاعل إلى ثقل سياسي ورصيد اقتصادي يعود أثره إلى الداخل.