ناصر بن فريوان الشراري
تؤكد المحطات المتتالية التي جمعت صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء -حفظه الله-، بالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عمق العلاقات السعودية - الفرنسية، وتجذرها في رؤية إستراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية التقليدية، فالتواصل المستمر بين قيادتي البلدين، والزيارات الرسمية المتبادلة، لا تمثل مجرد مناسبات بروتوكولية، بل تعكس إرادة سياسية واعية لبناء شراكة مؤثرة، قادرة على مواكبة التحولات الكبرى، والإسهام في رسم ملامح المستقبل الإقليمي والدولي.
وتنبع أهمية هذه الشراكة من المكانة التي تتمتع بها المملكة العربية السعودية وفرنسا، ومن امتلاكهما مقومات سياسية واقتصادية وثقافية تؤهلهما للاضطلاع بأدوار فاعلة في القضايا الدولية، فالمملكة تمثل ثقلًا محوريًا في محيطها العربي والإسلامي، بما تملكه من حضور سياسي واقتصادي ومكانة روحية راسخة، فيما تضطلع فرنسا بدور مؤثر في القارة الأوروبية والمجال الدولي، ومن هنا فإن التقارب بين الرياض وباريس يفتح مساحات واسعة للتنسيق، ويمنح العلاقات بين البلدين بعدًا يتجاوز المصالح المشتركة إلى الإسهام في معالجة التحديات العالمية.
ويأتي التنسيق السياسي رفيع المستوى في مقدمة مجالات التعاون بين البلدين، ولا سيما فيما يتعلق بالتطورات الجيوسياسية والأزمات المتلاحقة التي تشهدها المنطقة، وتقود المملكة، بتوجيهات قيادتها الرشيدة، جهودًا دبلوماسية حثيثة لخفض التصعيد، واحتواء التوترات، وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار، والدفع نحو حلول سياسية عادلة تحفظ سيادة الدول، وتصون حقوق الشعوب، وتضع حدًا لمعاناة المدنيين. وفي هذا الإطار، يكتسب التوافق في الرؤى بين الرياض وباريس بشأن عدد من الملفات الإقليمية والدولية أهمية خاصة، ومن أبرزها الملف اللبناني، والقضية الفلسطينية، وأمن الملاحة البحرية، ويكشف هذا التنسيق عن إدراك مشترك بأن استدامة الأمن لا يمكن أن تتحقق بالحلول العسكرية وحدها، وإنما تحتاج إلى مسار سياسي متوازن، وإرادة دولية جادة، وشراكات مسؤولة تسهم في معالجة جذور الأزمات، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
كما يؤكد هذا الحضور السعودي الفاعل أن المملكة لم تعد تكتفي بمتابعة الأحداث الدولية، بل أصبحت شريكًا أساسيًا في صياغة المبادرات، وتقريب وجهات النظر، وبناء التوافقات التي تخدم الأمن والسلام، فالدبلوماسية السعودية، بما تتسم به من اتزان وواقعية وبعد نظر، تنطلق من مبدأ راسخ يتمثل في تغليب الحوار، واحترام سيادة الدول، والبحث عن حلول تحفظ الاستقرار وتدعم التنمية. وفي السياق ذاته، تمثل الشراكة العسكرية والأمنية بين السعودية وفرنسا إحدى الركائز المهمة للعلاقات بين البلدين، إذ تمتد هذه الشراكة إلى مجالات التنسيق الدفاعي، وتبادل الخبرات، ورفع الجاهزية، وتعزيز القدرات على مواجهة التهديدات المتغيرة، وتزداد أهمية هذا التعاون في ظل تنامي مخاطر الإرهاب والتطرف، واستمرار ممارسات الميليشيات والجماعات المسلحة الخارجة عن القانون، التي تستهدف أمن المنطقة واستقرارها وسيادة دولها، ولا سيما في الساحتين اليمنية والعراقية. ولا تقتصر المسؤولية الأمنية المشتركة على حماية الحدود والمصالح الوطنية، بل تشمل كذلك حماية طرق التجارة الدولية وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي، فاستقرار الممرات البحرية يمثل مصلحة دولية تتصل بأمن الطاقة وسلاسل الإمداد وحركة الاقتصاد العالمي، الأمر الذي يجعل التعاون السعودي- الفرنسي في هذا المجال إسهامًا مباشرًا في حماية الاستقرار الدولي وتعزيز أمن التجارة العالمية.
غير أن الشراكة بين الرياض وباريس لا تقف عند حدود السياسة والدفاع، بل تمتد إلى آفاق اقتصادية وتنموية واعدة، وفي هذا المجال، تتكامل مستهدفات «رؤية المملكة 2030» مع الخطط الطموحة للجمهورية الفرنسية، بما يتيح فرصًا واسعة أمام الاستثمارات النوعية، ويعزز التعاون في القطاعات الحيوية، ويدعم انتقال العلاقات الاقتصادية من نطاق التبادل التجاري إلى شراكات إستراتيجية طويلة الأمد.
وتبرز المشروعات السعودية الكبرى، مثل «نيوم» و»القدية»، بوصفها منصات عالمية قادرة على استقطاب الخبرات والاستثمارات والتقنيات الحديثة، كما يفتح التعاون في مجالات الطاقة النظيفة، والهيدروجين الأخضر، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المتقدمة، والبنية التحتية الذكية، آفاقًا جديدة أمام البلدين للمشاركة في صناعة اقتصاد المستقبل، وتحويل التحديات البيئية والتقنية إلى فرص للنمو والابتكار. ويمثل التعاون في مجال الثقافة والتراث أحد أكثر أوجه الشراكة السعودية-الفرنسية إشراقًا، ويقف مشروع تطوير محافظة العلا شاهدًا حيًا على قدرة البلدين على الجمع بين حماية الموروث الحضاري، وتطوير الوجهات السياحية، والاستفادة من الخبرات العالمية، وفق رؤية تحفظ أصالة المكان وتستشرف مستقبله، فالثقافة هنا ليست جسرًا للتعارف بين الشعوب فحسب، بل أداة للتنمية، ووسيلة لتعزيز الحوار الحضاري، ومجالًا لبناء جسور إنسانية تتجاوز الحسابات السياسية والاقتصادية.
ومن شأن هذا التعاون الثقافي أن يفتح مجالات أرحب أمام التبادل المعرفي، والشراكات الأكاديمية، وتطوير المتاحف، وتنشيط الفنون، وتمكين المواهب الشابة في البلدين، كما أنه يعكس قناعة مشتركة بأن بناء المستقبل لا يعتمد على القوة الاقتصادية والسياسية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى الاستثمار في الإنسان، والمعرفة، والهوية، والقدرة على صناعة خطاب حضاري يواكب مكانة البلدين وطموحاتهما.
إن ما تشهده العلاقات السعودية-الفرنسية من تطور متواصل ليس وليد ظرف عابر، بل هو ثمرة رؤية قيادية بعيدة المدى، وحوار مستمر، ومصالح متبادلة، وثقة متنامية بين البلدين، ويعود الفضل، بعد الله، في هذا الحضور المتقدم إلى الحكمة والتحرك الإستراتيجي الواعي لسمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، -حفظه الله-، الذي جعل من المملكة رقمًا صعبًا، ووجهًا قياديًا مؤثرًا في صياغة القرارات والتحالفات الدولية. وبفضل هذا الفكر الطموح والقيادة الملهمة، تمضي المملكة بثبات في تعزيز مكانتها العالمية، وتوسيع شبكة شراكاتها الدولية، وبناء علاقات تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة والرؤية المستقبلية، وفي المقابل تمثل فرنسا شريكًا مهمًا للمملكة في هذه الرحلة، بما تملكه من خبرات تاريخية ومؤسسات عريقة وحضور دولي مؤثر. وهكذا، فإن الشراكة بين الرياض وباريس تتجاوز مفهوم التعاون التقليدي، لتصبح نموذجًا لعلاقة دولية متوازنة تجمع بين السياسة والاقتصاد والأمن والثقافة، وهي شراكة لا تكتفي بالتعامل مع تحديات الحاضر، بل تسعى إلى استشراف المستقبل وصناعته، بما يعزز التنمية والازدهار، ويرسخ الأمن والاستقرار، ويدعم بناء نظام دولي أكثر توازنًا وقدرة على مواجهة التحولات المقبلة.