مهدي العبار العنزي
حين تفقد الدولة احتكارها للسلاح، ويتشظى قرار الحرب والسلم بين أيدي جماعات وميليشيات مسلحة تدين بولائها لقوى خارجية، فإن الكيان الوطني يبدأ في التآكل من الداخل. إن ظاهرة «الدولة داخل الدولة» لم تعد مجرد توصيف سياسي عابر، بل تحولت إلى سرطان إستراتيجي ينخر في جسد الدول العربية، متخذا من لبنان، واليمن، والعراق، والسودان مسارح دامية لاستنزاف الشعوب وتدمير مقدراتها.
ولا يمكن لأي اقتصاد وطني أن يزدهر في ظل ازدواجية السلطة وسطوة السلاح غير الشرعي. لقد أدت هذه الكيانات الموازية إلى تقويض مقومات الاقتصاد الحديث عبر عدة مسارات:
- استنزاف الخزينة العامة: تعمل الميليشيات والأذرع المسلحة على توجيه مقدرات الدولة لخدمة أجنداتها الخاصة، واختراق مؤسسات الإيرادات الجمركية والضريبية.
- التهريب والأسواق السوداء: السيطرة على المعابر والمنافذ الحدودية لتمويل الأنشطة غير المشروعة، مما أدى إلى شل حركة التجارة الرسمية وإفقار المواطن.
- رأس المال الجبان: هروب الاستثمارات المحلية والأجنبية خوفا من الفوضى وغياب سيادة القانون، مما أسفر عن معدلات غير مسبوقة من البطالة والتضخم والفقر المدقع.
إن أخطر ما ترتكبه ظاهرة «الدولة داخل الدولة» هو استهدافها المباشر لأحلام الأجيال الناشئة وطموحاتهم. حين يحرم الشباب من فرص العيش الكريم، ويفرض عليهم الولاء للكيانات المسلحة كبديل عن الانتماء الوطني، يتم تجريف الطاقات البشرية وتفريغ الأوطان من عقولها وكفاءاتها. يتحول جيل بأكمله إلى باحث عن الهجرة والنجاة، ضحية لصراعات عبثية لا ناقة له فيها ولا جمل، سوى أنه ولد في مرحلة تاريخية استباحت فيها الميليشيات سيادة الأوطان.
النماذج الحية: خرائط الدم والدمار
- في لبنان: أدى تغول السلاح الموازي وهيمنة القرار الحزبي على مفاصل الدولة إلى انهيار مالي غير مسبوق، وعزلة عربية ودولية، وتحويل بلد الإشعاع الثقافي إلى ساحة للتجاذبات والانهيار الشامل.
- في اليمن: اختطفت الميليشيات الحوثية مقومات الدولة، ودمجت الطفولة في أتون الحروب، وحولت الاقتصاد إلى اقتصاد حرب يخدم أجندات إقليمية طائفية، عدا عن تدمير البنية التحتية وتمزيق النسيج الاجتماعي.
- في العراق: ظلت تداعيات الكيانات المسلحة خارج إطار القانون تشكل تحديا وجوديا أمام استقرار الدولة، وتعيش عجلة التنمية معطلة تحت وطأة المحاصصة وسلطة السلاح المنفلت.
- في السودان: تتجسد المأساة بأبشع صورها عبر صراع الميليشيات على السلطة والنفوذ، مما أدى إلى تشريد ملايين الآمنين، وتدمير المدن، وإغراق البلاد في أزمة إنسانية واقتصادية غير مسبوقة.
إن استعادة الدولة الوطنية لهيبتها ووحدتها ليست رفاهية سياسية، بل هي شرط بقاء وجودي. لا يمكن بناء مستقبل أو تحقيق تنمية أو إعادة إعمار ما لم تحل كل الميليشيات، ويسقط مشروع «الدولة داخل الدولة»، وتعود سيادة القانون وقرار السلاح حصريا إلى المؤسسات الرسمية الشرعية وحدها. «إن الأوطان لا تبنى على أنقاض السيادة، ولا تستقيم حياة الشعوب وتحت رحمة السلاح الموازي؛ فالاستقرار الحقيقي يبدأ حين يزول الخنجر المسموم من خاصرة الدولة، ويعود القرار الوطني خالصا لأبنائها الأوفياء. وإن غدا لناظره لقريب والله الهادي إلى سواء السبيل.