«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم تكن المقتنيات في «متحف الفيان» بالأطاولة هذه المرة مجرد شواهد صامتة على زمن مضى؛ فقد خرجت من خزائن الذاكرة إلى فضاء اللوحة، حين تحوّل المتحف إلى مشغل فني مفتوح، واستحالت القطع التراثية والعمارة والمكان إلى مصادر إلهام لثلاث فنانات؛ فوزية موسى، وأمل جمل الليل، ونوال الوصابي، قدمن أعمالهن أمام الجمهور، في تجربة التقت فيها ذاكرة المكان بحرية التشكيل.
في ذلك المشهد، لم يكن الزائر يكتفي بمشاهدة التراث، بل كان يشاهد كيف يمكن للفن أن يعيد اكتشافه؛ فرشاة تلتقط ملامح العمارة، وأخرى تستعيد إحساسًا من مقتنى قديم، وثالثة تبحث في تفاصيل المكان عن صورة تختصر علاقة الإنسان بذاكرته.
وهنا تكمن خصوصية التجربة؛ إذ انتقل «متحف الفيان» من دوره التقليدي في حفظ الموروث وعرضه إلى مساحة لإعادة إنتاجه بصريًا، لتصبح الورشة حوارًا حيًا بين الأثر والفنان والجمهور، وبين ما بقي من الماضي وما يمكن أن يولد منه في الحاضر.
حين تصبح العمارة ذاكرة
اختارت التشكيلية أمل جمل الليل أن تلتقط المتحف ذاته بوصفه موضوعًا فنيًا؛ فقد وجدت في واجهته وعمارتِه التراثية ما يستحق أن ينتقل من المشاهدة إلى اللوحة.
وتقول جمل الليل: «سعدت بزيارة متحف الفيان في الباحة، وكان من أجمل الأماكن التي زرتها؛ فالمتحف يضم تراثًا سعوديًا أصيلًا يعكس عمق الموروث الوطني، حتى في تفاصيل تصميمه»، مشيرة إلى أن هذه التفاصيل ألهمتها رسم واجهة المتحف أمام الجمهور.
ولم تتوقف تجربتها عند العمارة، بل امتدت إلى إطلالة المقهى، والطابع التراثي للفندق، والمقتنيات التي رأت فيها عناصر تمنح المكان روحه الخاصة.
تنتمي جمل الليل إلى مجموعة «فنانات الوطن» في جدة، وتمارس الفن الواقعي والتأثيري والحديث والبورتريه والرسم الرقمي، كما درست في أكاديمية رضوى للفنون، وشاركت في عدد من المعارض الفنية.
وترى في تجربة «الفيان» مساحة تستحق الاحتفاء، موجهة شكرها للأستاذ ناصر الفيان على استضافته وجهوده في الحفاظ على التراث وإبرازه، واصفة الزيارة بأنها تجربة ملهمة ستبقى في الذاكرة.
المقتنى يستعيد صوته
أما التشكيلية نوال الوصابي، فذهبت إلى طبقة أعمق من المكان؛ إذ لم تتوقف أمام شكل المقتنيات، بل أمام ما تختزنه من إحساس وذاكرة. وتقول إن مشاهدة المعروضات الأثرية «القيمة والمبهرة» ولّدت لديها أحاسيس عميقة، وكأنها عادت إلى التاريخ لتتخيل الماضي بكل ثرائه التراثي؛ ومن ذلك الشعور ولدت لوحتها التي أرادت لها أن «تنبض بالحياة» وترتبط بالتراث السعودي.
وتضيف أن التجربة اكتسبت جمالًا مضاعفًا من موقع المتحف وإطلالاته المرتفعة ومناظره الطبيعية، إلى جانب تفاعل الزوار وروح الفريق التي أحاطت بالورشة، مؤكدة أن هذا التفاعل منح التجربة بعدًا مختلفًا، وأسهم في إطلاق طاقة الإبداع لدى الفنانات.
وتتجه الوصابي في تجربتها إلى استحضار جمال التراث السعودي في أعمالها، وإعادة قراءة التاريخ والماضي عبر اللون والتكوينات البصرية المعاصرة؛ لتصبح اللوحة بالنسبة إليها مساحة للعبور بين زمنين.
الفن بوصفه حارسًا للتراث
من زاوية أخرى، تنطلق الفنانة فوزية موسى من قناعة واضحة بأن الفن قادر على أداء وظيفة تتجاوز الجمال إلى التوثيق، فتقول: «أؤمن بأن الفن هو أفضل وسيلة لحفظ التراث، وأسعى دائمًا إلى استكشاف كنوز المملكة العربية السعودية واستلهام جمالها في أعمالي الفنية».
وتصف دعوتها إلى متحف ناصر الفيان بأنها فرصة ثمينة لاكتشاف الباحة بوصفها مزيجًا من الطبيعة والأصالة وكرم أهلها، فيما وجدت في مقتنيات المتحف التاريخية والتراثية مادة بصرية فتحت أمامها مساحات واسعة من الخيال.
وانعكس ذلك في عملها أمام الجمهور؛ إذ استحضرت في تجربتها الأبنية والأزياء والمعالم المعمارية، ولا سيما الرواشين والعناصر الخشبية التي تميز العمارة التقليدية في جنوب المملكة، وبخاصة في بلاد غامد وزهران.
لم تكن موسى، بذلك، ترسم مبنى أو زيًا أو عنصرًا معماريًا فحسب؛ بل كانت تحاول الإمساك بصورة أوسع للهوية، وتوثيق جمال المنطقة بلغة تستطيع أن تعبر من الذاكرة المحلية إلى الأجيال الجديدة.
من حفظ التراث إلى تفعيله
تستمد هذه التجربة أهميتها من طبيعة «متحف الفيان» نفسه؛ فهو ثمرة مشروع فردي بدأه ناصر الفيان بجمع المقتنيات التراثية عام 1414هـ، قبل أن يتطور المشروع إلى مقر حجري عام 1438هـ، استلهم في معماره ملامح البيت الجنوبي التقليدي.
تتنوع مقتنيات المتحف بين المخطوطات والوثائق والأسلحة والعملات والملابس والأدوات المنزلية والزراعية والحرفية، بما يمنحه قيمة تتجاوز عرض الأشياء القديمة إلى استعادة أنماط من الحياة الاجتماعية والثقافية التي شكلت ذاكرة المنطقة.
واللافت أن المبنى نفسه يدخل في التجربة؛ فالحجر والعرعر والأبواب والعناصر المعمارية التقليدية ليست مجرد خلفية للمقتنيات، بل جزء من الحكاية التي يريد المتحف روايتها.
ومن هنا تأتي أهمية انتقال المكان إلى استضافة الندوات والمحاضرات والورش الفنية والفعاليات الثقافية؛ فالمتحف لا يكتفي بأن يحفظ الذاكرة، بل يضعها في مواجهة الحاضر.
وفي ورشة الفنانات الثلاث، بدا هذا التحول واضحًا؛ فالمقتنى الذي كان شاهدًا على حياة سابقة أصبح مادة لخلق صورة جديدة، والعمارة التي حفظت شكل المكان أصبحت موضوعًا للوحة، والذاكرة التي تسكن الأشياء تحولت إلى لون وتكوين.
في «متحف الفيان»، لم تكن الفرشاة ترسم الماضي بقدر ما كانت تختبر قدرته على أن يعيش مرة أخرى؛ فالمقتنيات التي وصلت إلى المتحف بوصفها شواهد على زمن مضى، خرجت من تلك التجربة بوصفها احتمالات جديدة للجمال.