حسن اليمني
على مدى قرابة عام، كانت المباحثات بين كل من السعودية وتركيا وباكستان تجري بصمت وهدوء لبناء بُعد استراتيجي بعيد المدى، متين الترابط، عميق المحتوى؛ ولذلك فإن قراءة إعلان اتفاق مكة لا بد أن تكون بذات المستوى من العمق والسعة والأهمية، ابتداءً بالأهمية «الجيوبوليتيكية» السياسية والاقتصادية والعسكرية – تاريخًا وجغرافيا – الرابطة لهذه الدول غير المترابطة بحدود تماس جغرافي، ولكن برحم تاريخي ممتد قرابة ألف وخمسمائة عام.
لا يكفي للفهم رؤية راهن دون فهم عمقه وتاريخه؛ لكي يصل الفهم إلى درجة كافية لرؤية ملامح المستقبل، فقد ظهرت اتفاقات وتحالفات كثيرة في منطقتنا الإسلامية والعربية، من اتفاقية مكة عام 1926م إلى اتفاق مكة بعد مائة عام، شهد القرن خلالها اتفاقية الدفاع العربي المشترك، ومنظمات ومجالس عربية وإسلامية وحتى دولية، دون الوصول إلى حال تغيّر إيجابي ملموس يرضي الطموح أو يحقق أمنًا واستقرارًا حقيقيًا في المنطقة، يشهد بذلك ما يجري اليوم في الخليج العربي من مواجهة أمريكية إيرانية آذت الأمن والاستقرار وأربكت المسارات التنموية.
وهنا لا بد من التذكير أن ما يسمى «المجتمع الدولي» ليس إلا حضارات أممية تحاول التلاقي والتعاون بحسب ماهيتها الثقافية والتاريخية الممتدة على مر التاريخ – وإن بشكل أكثر وضوحًا – إلا أن الأساس «الجيوبوليتيكي والجيوسياسي» هو المنطلق السائق للمسار، وهو الذي على أرضيته تتشكل العلاقات الدولية السياسية والاقتصادية والعسكرية، والأمر كذلك، فإن الدول الثلاث، السعودية وباكستان وتركيا، تلتقي في عقيدة وجودية واحدة، تشكل الثقافة والإيمان والغايات والأهداف والطموحات في عمق الوجدان الإنساني لهذه الدول، بما يشكل رابطًا وجوديًا أصيلًا. عبثت السنون وتبدلت العصور في تركيبته الثقافية وغاياته وطموحاته – بشكل مؤثر – حتى جزأت الأمة وفرقت الجمعة وبددت الوحدة الوجدانية، ووصلت أحيانًا إلى درجة التمزق والعداء.
وحين نتحدث الآن عن إعلان اتفاق مكة (2026م) بين الدول الثلاث، تظهر مدى الأهمية لهذا الإعلان.
إن الفرق بين الاتفاق والتحالف، رغم تقاربهما إلى درجة الالتباس في الفهم السطحي، فارق كبير ومهم. من الممكن التحالف حتى مع العدو لغاية أو هدف يتجاوز درجة العداوة لمواجهة عدو أخطر، بينما الاتفاق يعني توحيد رؤية في مسار متفق عليه يحقق الغاية والهدف المشترك ويبني عليه. أما حين نصل إلى مكة، ويوم الجمعة، وصلاة الظهر في المسجد الحرام، فإن العمق والبعد يصبح أكبر وأوسع من اتفاق ثلاثة زعماء إلى تصحيح مسار أمة ممتدة على مساحة الكرة الأرضية، وهنا تصبح الأهمية أكبر من راهن وواقع إلى تاريخ ومستقبل.
الآن، ماذا تعني السعودية وباكستان وتركيا؟
الجيوبوليتيك الموحد لهذه الدول الثلاث هو القيمة الوجودية المتمثلة بالدين والاتصال الجغرافي المتصل برًا، إضافة إلى التواصل الجيوسياسي المتمثل بالتاريخ والدولة الواحدة. من المدينة المنورة ظهر الإسلام ونشأت الدولة الإسلامية، ومن هذا الرحم استنارت الأمة التركية والسندية بنور الإسلام، ومن هذا وذاك نشأ وترسخ البناء للغاية والهدف الواحد. إعلان اتفاق مكة إذن يعيد البناء ويأخذ الاتجاه إلى مساره الصحيح.
ما هي الميزة والتميّز في إعلان هذا الاتفاق؟
أولى المميزات التي تنكشف فورًا في هذا الإعلان هو التكامل الكافي الذي يستطيع إعادة الاتجاه إلى مساره الصحيح؛ فلا هو عرقي ولا قومي، ولا هو شكل سياسي، ولا حلف عسكري ذو مصالح آنية. وثاني هذه المميزات أنه يعيد جمع القوة المجزأة نتيجة إرهاصات المطامع والمصالح الأممية بين قوى عالمية وإقليمية إلى نقطة الارتكاز والانطلاق في إعادة البناء على ذات القاعدة الأساسية المتأصلة عبر التاريخ، ليربطه بالجغرافيا لإحياء جيوسياسي ذاتي مستقل، استنادًا إلى مضمون جيوبولتيكي أصيل، وبما أن الاتفاق يختلف عن التحالف، فإن الإعلان عن هذا الاتفاق بالرمزية المكملة له تتسع في المساحة والعمق والأبعاد عن الفهم العسكري «المؤدلج» إلى وحدة رؤية للمسار والاتجاه بكافة جوانبه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والتنموية، بما في ذلك الجوانب المدنية والعسكرية، تصنيع وابتكار آلي وتقني، وبالمختصر: إعادة بناء التحضر للإنسان العربي والمسلم – روحيًا وماديًا – ليربط الماضي بالمستقبل.
الحضارة = روحية + مادية
إن كنا تحدثنا عن العمق والمضمون في المؤثر الروحاني من خلال البعد الإيماني والثقافي، تاريخًا وجغرافيا، في هذا الاتفاق، فإن ربط ذلك براهن الواقع المادي المعاصر يشكل التكامل المكتمل في البناء والاتجاه، امتثالًا لقوله عز وجل في سورة الأنفال – الآية 60:
{وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ}،ذلك أن سلامة الاعتقاد دون استعداد هو اتكال بلا قوة، ولا يتحقق البناء بدون جهد وعمل؛ لهذا كان الاتفاق في الرؤية خالصًا وموحدًا تجاه غاية وهدف موحد أيضًا، وبالتالي لا بد فيه من التكامل في الأدوات المعينة للبناء ومساره المستقبلي، من خلال التعاون المشترك في صناعة آليات القوة والدفاع في التنمية المدنية والعسكرية المشتركة، لنقل وطأة الواقع من تاريخ متهلهل إلى تاريخ صلب يحمي أمن وسلامة الاستقرار، الشرط الأساسي للتقدم الحضاري الموازي والمتنافس مع احتمالات المستقبل والتواءاته.
بعد القوة الروحية ننتقل للقوة المادية لهذه الدول الثلاث:
لا شك تتفاوت القوة المادية لهذه الدول الثلاث فيما بينها، لكنها في المحصلة الأخيرة تتكامل لتشكل وحدة متكاملة لقوة عسكرية واقتصادية وتصنيعية راقية ومتطورة، قادرة على فرض هيبتها وردعها وحماية أمنها واستقرارها، بل ومظلة أمن وسلام مغرية وجاذبة لباقي الدول العربية والإسلامية، وهي بمثابة نواة ومركز تاريخ ناهض للأمة، لكن بواقعية وحكمة ورشاد، لا يقتصر نظره ورؤيته لراهن الواقع، بل لرسم المستقبل وتشكيل تفاصيله، ويمكن شرح تفاصيل هذه القوة الثلاثية التكاملية بمختصر مفيد كالتالي:
القوة المالية: وتأتي المملكة العربية السعودية بالمرتبة الأولى بين الدول الثلاث.
القوة الاقتصادية الصناعية: وتأتي الجمهورية التركية في المرتبة الأولى بين الدول الثلاث.
القوة البشرية العسكرية: وتأتي الجمهورية الباكستانية في المرتبة الأولى بين الدول الثلاث.
إذن، بين قوة مالية وقوة اقتصادية تصنيعية وقوة بشرية عسكرية، تتشكل القوة الرئيسية في المجمل، وفي التفاصيل تمتلك هذه الدول:
القوة المالية تقدر بأكثر من 3 تريليونات دولار.
القوة الاقتصادية التصنيعية تقدر بحوالي 550 مليار دولار، وتأتي في المرتبة السادسة عالميًا.
القوة البشرية العسكرية تقدر بحوالي 1.4 مليون، كثالث قوة في العالم بعد الصين والهند.
وبهذه التعاريف المختصرة يظهر التحدي أمام الاتفاق الثلاثي في إعلان مكة لتحقيق الغاية والهدف للارتقاء في البناء التنموي المدني والعسكري في رؤية استراتيجية موحدة إلى قوة عالمية، من خلال التفاعل والتداخل في آليات وأدوات البناء التكاملي، من باب التعاون المشترك للنهوض. وهنا يظهر جليًا الفارق بين التحالف والاتفاق، وقد بيّن ذلك إعلان مكة في أنه ليس عسكريًا ولا موجهًا ضد أحد، إنما هو رؤية استراتيجية للبناء والارتقاء في التنمية من خلال التعاون والمشاركة في تأصيل الأمن والاستقرار اللازم لحماية المسار والدفاع عنه، وليس في مواجهة ضد أحد.
إنه، وإذا كانت هذه الدول الثلاث تمتلك من القوة العسكرية – سلاحًا وعتادًا – ما يحفظ لها قوة ردع للدفاع والحماية المشتركة، فإن التصنيع المدني والعسكري، بناءً على هذا الاتفاق، من خلال التعاون البيني المشترك، سيكون العامل الأول والأهم لدعم الاقتصاد والتنمية الإنتاجية للوصول إلى التصدير بدلًا من الاستيراد، وهذا أحد أهم مقومات القوة التي يطمح إليها الاتفاق كمنهج ومسار للخلاص من التأخر والتخلف الذي تعاني منه الأمة العربية والإسلامية، لتجاوز الفرقة والتشرذم والتدخلات الخارجية -دولية وإقليمية- كأهم التحديات المعطلة للنهوض.
التحديات ضرورة لبعث الهمّة
ما يُفرح الصديق يسوء العدو، والكيان المحتل وفوضى إيران تشكلان عوامل تعطيل، وللقوى الكبرى غايات وأهداف. وما محاولات الكيان المحتل إثارة الفوضى في سوريا والتحرش بتركيا إلا شيء من هذا، وإن رافقها إعلام «إبراهيمي»، فإن كل ذلك ليس إلا نتيجة عداء وغباء مشترك. لكن الجيد في ذلك أنه يساعد في دعم وإسناد إعلان الاتفاق، ويستحثّه على التقدم أكثر وبخطى أسرع.
إذن، للإجابة على السؤال: هل نحن أمام اتفاق دفاعي رمزي، أم أمام نواة قوة استراتيجية قادرة على تغيير معادلة الأمن في المنطقة؟
فإن المعطيات سابقة الذكر في السطور أعلاه تفيد أن أمامنا نواة قوة استراتيجية قادرة، -بإذن الله- على تغيير معادلة الأمن في المنطقة، وليس أمامنا اتفاق دفاع رمزي أو مؤقت لغرض آني صغير الطموح. وفي الغالب تبدأ قوة الأمة من نواة تكبر وتتسع مع الوقت متى بُنيت على أساس قوي وقاعدة صلبة، وهو ما تم -بفضل الله-.
ومن المبشرات بالنجاح أننا لم نشهد ذاك الاندفاع في الانضمام من قبل دول عربية وإسلامية، كما اعتدنا سابقًا، بما يعطي جدية الرسم والتخطيط الذي يستوجب، قبل الانضمام، الإيمان بوحدة الرؤية الاستراتيجية والتخلص من معوقات نجاحها قبل الانضمام. فالأمر ليس مهرجانًا سياسيًا أو أنه بحاجة لدعاية إعلامية، بل لإيمان وصدق وإخلاص، وهذه لعمري قاعدة النهوض.
** **
- الرياض