صبحي شبانة
ربما تكون إسرائيل أكثر الأطراف التي تراقب اتفاقية مكة للدفاع المشترك بقلق، ليس لأنها ترى في الاتفاق إعلانًا صريحًا لمواجهة إسرائيل، وإنما لأنها تدرك أن أخطر ما في الاتفاق ليس ما ينص عليه، بل ما يمكن أن يتحول إليه في المستقبل، ففي السابع من أغسطس وقّعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقية للدفاع المشترك تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا عليها جميعًا، في صيغة تقترب من منطق الدفاع الجماعي الذي عرفته تحالفات كبرى من قبل، والأهم أن الاتفاق جاء بعد مفاوضات استمرت قرابة عام، ما يؤكد أنه لم يكن رد فعل سريعًا على أزمة طارئة، وإنما نتيجة مسار إستراتيجي تبلورت خلاله مصالح الدول الثلاث، ومن هنا يبدأ السؤال الإسرائيلي الحقيقي: لماذا الآن؟، ولماذا بهذه الصيغة تحديدًا؟، ولماذا تجمع الاتفاقية السعودية وتركيا وباكستان، ثلاث دول إسلامية سنية رئيسة، تمتلك كل واحدة منها عنصرًا مختلفًا من عناصر القوة، فيما تشهد المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ عقود؟
الإجابة لا تبدو صعبة إذا قرأنا المشهد بعيدًا عن تفاصيل الحرب اليومية، فالشرق الأوسط يدخل مرحلة تتراجع فيها صلاحية المعادلات القديمة، وتتزايد فيها الأسئلة حول من يملك القدرة على توفير الأمن، ومن يستطيع حماية مصالحه إذا اتسعت الحرب، ومن يمكن الوثوق به عندما تصبح الضمانات السياسية أقل قيمة من القدرة الفعلية على الردع، ولذا تكتسب اتفاقية مكة معناها الأوسع.
السعودية تأتي إلى هذه المعادلة بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي، وبموقعها المحوري في أمن الخليج والطاقة والممرات البحرية، وبحاجة متزايدة إلى بيئة إقليمية مستقرة تحمي مشروعها الاقتصادي والتنموي، وتركيا تدخلها باعتبارها قوة عسكرية وجيوسياسية كبرى، تمتلك موقعًا استثنائيًا يصل بين آسيا وأوروبا والبحر الأسود والشرق الأوسط، ولها خبرة متقدمة في الصناعات الدفاعية والحرب الحديثة، أما باكستان فتضيف إلى المعادلة كتلة سكانية وعسكرية كبيرة، فضلًا عن كونها الدولة الإسلامية الوحيدة التي تمتلك سلاحًا نوويًا، وهكذا لا تبدو الدول الثلاث متشابهة بقدر ما تبدو متكاملة.
وهذه تحديدًا هي النقطة التي تجعل الاتفاق مختلفًا عن ترتيبات أمنية ثنائية كثيرة عرفتها المنطقة، فالقوة السعودية الاقتصادية والسياسية، والقدرة العسكرية والتكنولوجية التركية، والوزن الإستراتيجي الباكستاني، يمكن أن تنتج، إذا تحولت الاتفاقية إلى مؤسسات وآليات فعلية، منظومة ردع لا تقوم على عنصر واحد وإنما على مجموعة من عناصر القوة المتداخلة، ومن الطبيعي أن تقرأ إسرائيل هذه المعادلة بعناية، فإسرائيل بنت خلال السنوات الماضية جانبًا مهمًا من إستراتيجيتها الإقليمية على التفوق العسكري والتكنولوجي، وعلى إقامة شبكة من العلاقات الأمنية والسياسية مع دول عربية، وعلى منع تشكل بيئة إقليمية قادرة على تحويل التفوق الفردي إلى منظومة قوة جماعية، ولذلك فإن قيام إطار دفاعي جديد يضم السعودية وتركيا وباكستان يضيف متغيرًا لا يمكن تجاهله إلى الحسابات الإسرائيلية.
لكن المشكلة الإسرائيلية ليست في أن الاتفاقية تستهدفها مباشرة، فالنص المعلن لا يقول ذلك، والدول الثلاث أكدت أن الاتفاقية دفاعية ومفتوحة أمام دول أخرى، وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وصف الصيغة بأنها مماثلة فنيًا لمبدأ الدفاع الجماعي الوارد في المادة الخامسة من ميثاق حلف شمال الأطلسي، بينما أكد الرئيس رجب طيب أردوغان أن الاتفاقية مفتوحة أمام دول أخرى، وذهب إلى الحديث عن إمكانية انضمام مصر مستقبلًا، لكن السياسة الدولية لا تقرأ النصوص وحدها، إنها تقرأ الاتجاهات أيضًا، والاتجاه الذي يمكن أن يثير القلق الإسرائيلي هو احتمال انتقال المنطقة من شبكة تحالفات وترتيبات ثنائية إلى بنية أمنية متعددة الأطراف، فالدولة تستطيع عادة التعامل مع دولة منفردة، ويمكنها إدارة علاقة أمنية مع كل طرف على حدة، لكن الحساب يصبح مختلفًا عندما تتقاطع قدرات عدة دول داخل إطار واحد، وعندما يصبح الاعتداء على دولة منها قضية تعني الآخرين أيضًا، وهنا يصبح اسم تحالف مكة أكثر من مجرد عنوان جغرافي لاتفاقية وُقعت في مكة المكرمة، إنه يحمل دلالة سياسية في منطقة تبحث عن صيغة تستعيد بها بعض قدرتها على حماية أمنها بنفسها.
لقد كشفت السنوات الأخيرة محدودية الاعتماد على المظلات الأمنية الخارجية، وحين تتحول المنطقة إلى مسرح لصواريخ وطائرات مسيرة وحروب بالوكالة وتهديدات للممرات البحرية والمنشآت الحيوية، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا تستطيع الدول أن تفعل إذا تعرض أمنها للخطر ولم تكن الضمانات الخارجية كافية أو جاءت متأخرة؟، هذه التجربة دفعت دولًا كثيرة إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن نفسه، السعودية على سبيل المثال لا يمكنها أن تفصل أمنها عن أمن الخليج والطاقة والممرات البحرية، كما لا يمكنها أن تتعامل مع حماية تحولها الاقتصادي باعتبارها شأنًا داخليًا فقط، تركيا تدرك من جانبها أن أمنها لم يعد يبدأ عند حدودها، وأن ما يجري في الخليج والبحر الأحمر والشرق الأوسط يمكن أن يؤثر في مصالحها مباشرة، وباكستان بحكم موقعها وعلاقاتها وتشابكاتها الآسيوية، تدرك أن أمنها لا ينفصل عن أمن العالم الإسلامي ولا عن المتغيرات المتسارعة في الشرق الأوسط، ومن هنا يمكن فهم الاتفاقية بوصفها محاولة لبناء توازن ردعي أكثر من كونها إعلانًا عن جبهة حرب جديدة، وهذه نقطة جوهرية لأن الردع ليس بالضرورة مقدمة للحرب، وفي كثير من الأحيان يكون الهدف من بناء القوة هو منع الحرب، وإقناع الخصم بأن تكلفة استخدام القوة أصبحت أعلى من الفائدة التي يمكن أن يحققها.
وفي هذا السياق فإن تحالف مكة قد يكون موجهًا ضد فكرة الفوضى أكثر مما هو موجه ضد دولة بعينها، فإيران حاضرة في خلفية المشهد، وإسرائيل حاضرة كذلك، لكن الرسالة الأوسع قد تكون أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى مرهونًا بميزان قوة تختصره دولة واحدة أو تحالف واحد، إيران ستقرأ الاتفاقية من زاوية مختلفة، فهي أمام ثلاث دول تمتلك معها علاقات متباينة: علاقات معقدة لكنها قابلة للحوار مع السعودية وتركيا، وعلاقة إستراتيجية وثيقة مع باكستان، ولذلك فإن التحالف لا يعني بالضرورة انتقال هذه الدول إلى سياسة عدائية تجاه طهران، بل قد يعني أن الحوار معها سيكون مستندًا إلى قوة ردع أكبر، وهذه ربما إحدى المفارقات المهمة في الاتفاقية: كلما ارتفعت قدرة الدول على الردع، ارتفعت قدرتها على التفاوض من موقع أكثر توازنًا، لكن عين إسرائيل ستظل متجهة إلى ما هو أبعد من الدول الثلاث: إلى احتمال التوسع.