الهادي التليلي
عندما نتكلم عن السينما السعودية فإننا نتكلم عن مجال ترفيهي شهد طفرة تعد الأعلى على المستوى العالمي من حيث نسبة النمو في وقت وجيز لا يتجاوز السبع سنوات نعم لأن إعادة فتح قاعات السينما لا يتجاوز عمره هذه الفترة الزمنية، وكذلك لأن كل الوسائل والإمكانيات متوفرة بفضل ما يحظى به القطاع من دعم ورعاية هيكلية من خلال جهود الهيئة العامة للترفيه التي نجحت في نحت كيان الفن السابع في المجتمع والاقتصاد وفي المستقبل وكل ذلك وفق رؤية 2030 لولي العهد والتي تعتبر المنتجات الرمزية والفنية منها خاصة نوافذ براقة ومشعة شريكة في التنمية والتحول المجتمعي.
فما تحقق من نجاحات ترجمتها الأرقام وعبرت عنها النتائج حيث في سنة 2025 كانت عائدات شباك التذاكر ما يفوق 920 مليون ريال عن عدد تذاكر فاق 18 مليون تذكرة وعدد شاشات العرض بلغ 603 والأفلام المعروضة 538 والمناطق التي أثثت بقاعات عرض احترافية فاقت العشرة مناطق والمشغلون 8 كيانات هي الأقوى عالميا ولا تقف هذه الأرقام عند هذا الحد تحول المشهد السينمائي السعودي من المستهلك إلى المنتج إذ عرض خلال هذا العام أكثر من 11 فيلما سعوديا بعائد 122,6 مليون ريال علما أن الإيرادات ارتفعت بنسبة 114 بالمائة عن العام المنقضي بـ2,8 مليون تذكرة مباعة أي بحصة سوقية للسينما السعودية بنسبة 13,3 بالمائة من كتلة العروض الجملية سالفة الذكر ولو فصلنا الحديث في هذه العروض المحلية نجد الزرفة وهو الأعلى مبيعا بـ30,7 مليون ريال عن 738,4 ألف تذكرة يليه شباب البومب في نسخته الثانية بـ27,2 مليون ريال عن 604,8الف تذكرة وثالثها هوبال بدخل 24,6 مليون ريال عن 589,2 الف تذكرة طبعا ولا ننسى فيلم إسعاف الذي حقق بدوره نجاحا بـ18,7 مليون ريال وفلم سوار بـ10,9 مليون ريال
وفي ما يخص سنة 2026 إلى حدود شهر أغسطس وتحديدا إلى يوم 19 منه فإن عائدات السينما تجاوزت 706,4 مليون ريال عن 14,14 مليون تذكرة وهو ما يعني أن حصاد السنوات السبع من السينما فاق الخمس مليارات ريال وهذه أشبه بالمعجزة الاقتصادية في مجال ناشئ وفي قطاع في عدد كبير من بلدان العالم بدأ يستعد لإغلاق أبوابه.
ولعل تأسيس مهرجانات للسينما في السعودية على غرار مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي بجدة والذي يعتبر من المهرجانات الأبرز دوليا وتقدم فيه أفلاما عربية وآسوية وافريقيا وأوروبية ومن كل أرجاء المعمورة.
ومهرجان أفلام السعودية بالظهران والذي يقام في مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي إثراء وهو كذلك منصة عالمية للسينما حيث يتنافس على نخلته الذهبية أبرز نجوم السينما.
وهذه النجاحات لم تأت من لا شيء بل بحكمة القيادة الرشيدة وتأسيس هيئة عامة للترفيه في 7 مايو 2016 وبعدها تم تأسيس هيئات قطاعية منها هيئتي الأفلام والمسرح والفنون الأدائية السعودية كان بمثابة الحلم الذي تحقق فقط بالنسبة لمبدعي المملكة ولكن لكل مبدعي العالم العربي. فتاريخ فبراير 2020 كان لحظة فارقة في تاريخ المسرح بالمملكة وهو تاريخ تأسيس هاتين الهيئتين في سياق تأسيس هيئات قطاعية.
وفي حقيقة الأمر الشأن السينمائي والمسرحي بالسعودية عريق ثري بالتجارب والأسماء حيث منذ الستينيات كانت هناك تجارب وحراكا توج بتأسيس «الجمعية العربية للفنون» سنة 1973 وكان دورها اكتشاف ورعاية المواهب الفنية بل وأصبح لها في ما بعد عددا من الفروع في عدد من مناطق المملكة هذه الجمعية تعد نواة هيكلية لا يمكن تجاوزها في الحديث عن نشأة الفنون الأدائية السعودية.
ولو عدنا بذاكرة السينما والدراما السعودية نجد أسماء شاركت في هوليود منذ سنة 1937 وهنا يحضرني الممثل وليد الرواف الذي شارك في هوليود من خلال الشريط الأمريكي «أنا أغطي الحرب» مع الممثل جون واين.
أيضا الممثلة دنيا الشهابي التي شاركت في هوليود في عديد الأفلام لعل من بينها «أميرة وسام» و«جاك راين» المعروف مع جون كراسنسكي.
كما كان للممثلة السعودية عهد الكامل والمتخصصة في الأصل في مجال الصور المتحركة أعمالا هوليودية ودولية توجت بالمشاركة في مهرجان بيروت السينمائي وحصدت الجائزة الذهبية الأولى.
ولا يمكن أن نفوت ونحن نتحدث عن طيور الفنون الأدائية المهاجرة الممثلة السعودية البريطانية عائشة هارت التي قدمت أعمالا فنية كبرى منها مسلسل «اتلنتس» و«لاين أوف دوتي» و«هونر» و«كوليت».
وخارج هذه الدائرة هناك نجوم سعوديون لم يكونوا محتاجين للتحليق خارج الديار لكسب العالمية وهنا يستوقفنا النجم الأول والشخصية الكاريزماتية المؤثرة والفنان الدرامي والمسرحي المتألق عربيا ودوليا ناصر القصبي والذي اختير ضمن 43 شخصية مؤثرة في العالم العربي حسب سبر مجلة نيوزويك ناصر القصبي رمز الدراما السعودية وأحد نجوم العالم العربي بامتياز يعد صوت المبدع وضمير المشاهد.
ولا ننسى باقة من الممثلين المميزين الذين قدموا إسهامات رائعة للساحة الدرامية السعودية والعربية ولعل من أبرزهم حبيب الحبيب وحسن عسيري وأحد مؤسسي الدراما والمسرح محمد العلي والذي كان لي شرف مشاهدة مسرحيته «المزيفون» إضافة إلى وجوه نسائية ناضلت في إثبات مشاركة المرأة السعودية في مسار الفنون الأدائية ومن بينها مريم الغامدي وحلا وريم العبدالله ونرمين المحسن والقائمة يضيق عنها المجال بالنسبة للممثلين والممثلات الذين استفادوا من الثورة السمعية البصرية وإنشاء عدد هام من القنوات الفضائية كانت فرصة لترجمة إبداعاتهم وحضورهم المدوي عربيا ودوليا.
الهيئة العامة للترفيه استطاعت أن تبني سوقا حية للأعمال الدرامية والربحية وفرصة لتقديم السينما كمنتج وكصناعة محلية منافسة انطلاقا مما هو موجود وصولا إلى ما هو منشود
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ماذا بعد تحقق هذا الحلم الذي يعود لرؤية 2030 ومن يقف وراءها الفضل فيه؟
الهيئة العامة للأفلام وهيئة المسرح والفنون الأدائية وتهدف الأولى «لتنظيم قطاع الأفلام في المملكة وتطويره والنهوض بمقوماته ودعم وتشجيع الممارسين فيه» في ما تهدف الثانية إلى «النهوض بالمجال المسرحي ودعمه وتشجيع التمويل والاستثمار فيه واعتماد برامج تدريبية مهنية وجهات مانحة للشهادات المتخصصة في هذا المجال» وخلال سبع سنوات فقط تحقق ما يفوق أفق الانتظارات منها وأكبر مما يتوقعه الإنسان العادي، وكان ذلك التأسيس كان هيكليا برسم خارطة طريق نواتها تأسيس اكاديمي بعضها يندرج ضمن جهود وزارة التعليم وبعضها استفاد من حوافز الهيئة العامة للترفيه وهيئة الأفلام وغيرها، ونذكر على سبيل المثال كلية الأفلام بجامعة الرياض للفنون وبكالوريوس العلوم في الفنون السينمائية بجامعة عفت بجدة وبكالوريوس الإنتاج السينمائي وبكالوريوس صناعة الأفلام والرسوم المتحركة ودبلوم الإنتاج السينمائي بجامعة الاميرة نورة بالرياض وبكالوريوس الإنتاج المرئي والمسموع ودبلوم صناعة الأفلام وماجستير ودكتوراه في مجالات الإنتاج المرئي والمسموع بجامعة الملك عبد العزيز بجدة وبرامج فنية وورش وماستر كلاس وإقامات فنية لصناع الأفلام من طرف هيئة الأفلام بالرياض .
آفاق الصناعات السينمائية بعد كل هذا تصبح أمرا تفرضه الإنجازات حيث إنه عندما تتوافر المعطيات الإيبسمية لتحقق أي مشروع حضاري، يصبح أمر المطالبة بآفاق ممكنة أمراً مشروعاً، والمعبر عنها في الطرح الدارويني بالوظيفة تخلق العضو، فنشأة هوليوود لم تكن نتيجة نمو حضاري متكامل، بل كانت معطًى تسويقياً لبناء مجال عمراني مخصوص، ففي سنة 1853 لم تكن هوليوود سوى كوخ صغير، وكل المكان مجرد أرض جرداء سواء من بعض نباتات الصبار NOPAL حتى أنهم أطلقوا عليها؛ ونعني المنطقة اسم النبتة NOPALERA يعني أن المكان كان قفراً وهو المشهد الذي يصر دائماً مخرجو أفلام الكاوبوي وغيرها على تذكيرنا به، وهو الأيقونة المتكررة التي قد يراها المشاهد العادي مساحة رؤية عادية، ولكنها في الحقيقة رؤية عميقة تعطف اللاحق على السابق؛ فالفن السابع أعطى قيمة إضافية، بل المعنى والهوية والقيمة التسويقية للمكان، فالسينما حوّلت هذا المكان غير المأهول إلى أرقى المدن الحضرية في العالم، وهي ليست فقط عاصمة سينمائية، بل هي -أيضاً- مجال للسياحة الثقافية، عائداته تفوق الخيال، ويرجع هذا إلى عبقرية الرجل المؤسس؛ ونعني به هـ.ج وايتلي H.J.WHITLEY مطلق تسمية هوليوود على المكان، وتسمية هوليوود التي صارت استعارة معنوية لكل ما له شأن بالسينما في الأصل ليست له أي علاقة بها، ولكن نحت الاسم لنفسه مكانة لدى جمهور العالم وذاكرته الجماعية من خلال صورة ذهنية متصلة بالسينما، فقصة نشأة هوليوود تعتبر درساً في التنمية الحضرية، وتشبه كثيراً قصة نشأة دافوس المدينة المغمورة التي تحوّلت إلى عاصمة عالمية من خلال جامعتها، والتي منها بزغت تجربة منتدى دافوس العالمي، فهوليوود هذه المنطقة الواقعة جغرافياً في لوس أنجلس بكاليفورنيا، شهدت تحولاً حضرياً عجيباً بفضل فكرة وايتلي الذي اغتنم فرصة المضاربات على الأراضي واشترى قطعة الأرض هذه ومساحتها 2 كيلومتر مربع، بعد صراع مع المنافسين، خاصة بعد رواج فكرته، والمتمثلة في إنجاز مقسمات زراعية وعمرانية، وهنا تعيدنا الذاكرة البصرية إلى لافتة «هوليووت» التي هي عبارة عن أحرف عملاقة لكلمة هوليوود باللاتينية، والتي تعتبر من التراث البصري الشعبي الثقافي المميز للمنطقة الصناعية في مجال السينما لوجه هوليوود، والتي يبلغ طول أحرفها 13.7 متر ويعرض للكلمة بـ106.7 متر، والواقعة -حالياً- في جبال سانتامونيكا المتاخمة لهوليوود، والمطلةعليها، لم تكون في الحقيقة لحظة تأسيسها ذات صلة بالسينما، وإنما تسويق للقسمات العقارية التي وضعها وايتلي، ولكن بأحجام أقل طبعاً، وايتلي الذي عندما خاض مغامرة الاستثمار في هذه المنطقة الجرداء وأعلن عن ذلك كادت تعود عليه بالخسارة، ولكن حين انتشر صدى المشروع وأصبح الجميع يرغبون في هذا المكان الذي كان على هامش الحياة الحضرية، فمدينة كاليفورنيا على الرغم من كونها لا تبعد عنه سوى عشرة أميال كان يحتاج المرء للوصول إليها أكثر من ساعتين، ومن فرط ذكاء المؤسس شيّد أول ما شيد في هذه الرقعة الشبه جرداء فندقاً كبيراً، وذلك لترغيب المشتري في الأراضي، خاصة مزارعي الليمون، وإعطاء قيمة مضافة للمكان، وهو ما يؤكد أن الرجل لم يكن طموحه بهذا البعد، فغايته كانت عقارية، وهوليوود كانت نهجاً تسويقياً اختاره للتسويق العقاري، فكان يصرف في استثماره العقاري حتى يحصد أكثر، وجدير بالتذكير أن المدينة السينمائية لم تشيد إلا في سنة 1910 أي أنها نشأت على أبواب الحرب العالمية الأولى، وربما قد يقول الواحد منا من سوء الحظ، ولكن بالنسبة لهوليوود كانت من حسن حظها، حيث انتعشت تأسيساً وتشغيلاً خلال الحرب العالمية الأولى، فتم تشييد أول مخبر من نوعه ساعتها، وهو مخبر كانون وعدد من الاستوديوهات، فالسينما طوَّرت المكان وحوّلته بنسبة 180 درجة من مكان أجرد إلى عاصمة لسينما العالم واقتصادياته الموازية، فالفن السابع على الرغم من كونه في الأصل ليس اختراعاً أمريكياً، إذ يعود إلى الأخوين لويس وأوغيست لوميار الفرنسيين، إلا أنها استأثرت بالريادة في الاستثمار فيه، وهوليوود في الأصل لم تكن هي عاصمة السينما، بل كانت نتيجة لتسويق سينمائي؛ إذ كانت نيوجرسي مركز الصناعة السينمائية، وتشهد تمركز عديد شركات الإنتاج واستوديوهات التصوير والمختبرات العالمية، وبالنسبة لهوليوود يعود الفضل في دخولها عالم السينما إلى المخرج دافيد غريفيت الذي أثناء تصويره لأحد أفلامه في لوس أنجلس مع باقة من نجوم ذلك الوقت، ومنهم بلانش سويت وليليان غيش وماري بيكفورد وليونال باريمور، اختار تصوير مشاهد لا تبعد كثيراً عن لوس أنجلس، فوقع الاختيار على هوليوود كتنويع واستكشاف لمناطق جيدة فأسره المكان وعذريته ليستقر به لفترة، أنتج فيها عدداً من أعماله، وكما كان وايتلي متسبباً في حرب مضاربة عندما اختار الاستثمار فيما أطلق عليه هوليوود، أيضاً أسال المخرج غريفيتس لعابشركات الإنتاج التي تبحث عن مأمن من الجباية التي كان يفرضها أديسون صاحب براءة صناعة الأفلام فتم إنشاء العديد من فروع شركات الإنتاج، والتي مقرها بنيوجرسي في هوليوود، وانطلقت الحكاية التي صنعت من خلالها الاستثمارات الثقافية هوية المكان، وهذا هو قدر الصناعات الثقافية، تنحت هوية باقية يتوارثها الأجيال، وتعطي معنًى وثراءً كبيراً للجغرافيا والحياة، وهنا يحضرنا مشهد فيه أكثر من معنى، حيث إن ابن السينما أرنولد شوازينيغير الذي أصبح حاكماً على كاليفورنيا صادق على قرار يجعل هوليوود مستقلة بذاتها وبصلاحيات تجعلها غير مرتبطة بغيرها، فكأن السينما وهوليوود أنجبت من رحمها من طوّرها ونقلها نوعياً، لا في الفن فحسب، بل في مجال الاستقلالية، حيث صارت هوليوود عبارة عن منطقة حرة في الصناعة الرمزية التي تعنى بالفن السابع، وما يهمنا في كل هذا هو هذا الدرس الذي نحاول أن نستلهم منه أفق تصوراتنا المستقبلية، فالسينما ليست مجرد فعالية جمالية، إنها رأسمال رمزي يعطي القيمة والحجم للمكان.