«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في جدة، حيث تختزن الذاكرة الشعبية إيقاعاتها وأغنياتها وحكاياتها، استعادت الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة سيرة الفنان والملحن الراحل فوزي محسون، في أمسية موسيقية غنائية حملت عنوان «سيد الشجن»، بحضور مدير عام فرع وزارة الإعلام الأستاذ عبدالخالق الزهراني، وعدد من الفنانين والمثقفين والمهتمين؛ لتعيد إلى المشهد اسمًا لم يكن حضوره مقصورًا على صوته أو ألحانه، بل امتد إلى واحدة من أهم مراحل تشكل الأغنية السعودية الحديثة.
وجاء الاحتفاء بمحسون امتدادًا لاهتمام الجمعية بتوثيق تجارب رواد الفن السعودي، واستحضار سيرهم وإرثهم أمام الأجيال الجديدة؛ انطلاقًا من أن الذاكرة الفنية لا تُصان بترديد الأسماء، وإنما بإعادة قراءة التجارب التي أسهمت في تشكيل وجدان المجتمع، والكشف عن أثرها في الحاضر.
ولعل تعدد الألقاب التي ارتبطت بفوزي محسون يكشف جانبًا من مكانته؛ فهو «سيد الشجن»، و«ضمير الأغنية الجداوية»، و«سيد درويش الأغنية السعودية»؛ ألقاب تتقاطع في وصف فنان اتخذ من جدة وبيئتها الشعبية منطلقًا جماليًا، ومن الموروث مادة لإعادة الصياغة، ومن الحس الإنساني جوهرًا لألحانه.
وخلال الأمسية، استعاد المهندس خالد فوزي محسون، نجل الفنان الراحل، محطات من سيرة والده، متوقفًا عند طفولته وبدايات علاقته بالموسيقى، والبيئة التي تشكل فيها وجدانه الفني، إلى جانب مواقف وحكايات إنسانية وفنية صاحبت مسيرته، وعلاقاته بعدد من الشعراء والفنانين الذين شاركوا في صناعة مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية السعودية.
من «حارة الشام» إلى فضاء الأغنية
بدأت الحكاية من حارة الشام في جدة، حيث ولد محسون ونشأ في بيئة شعبية تركت أثرها الواضح في تكوينه الفني. ومنذ سنواته المبكرة، بدا شغفه بالموسيقى أكثر من مجرد هواية؛ فقد اقترب من الآلات والمقامات، وتوسعت معارفه بالاستماع إلى الأسطوانات وقراءة الأدب والشعر، قبل أن تتبلور موهبته ويصبح واحدًا من أبرز الملحنين السعوديين.
ولم تكن رحلته الفنية سهلة؛ فبعد أن عمل في مصلحة البريد لأكثر من ثلاثة عقود، ظل الفن مشروعه الموازي، وسعى إلى الوصول إلى الإذاعة، إلا أن بدايته الجماهيرية جاءت عبر التلفزيون، قبل أن تعتمد الإذاعة اسمه عام 1966 مطربًا وملحنًا من الدرجة الأولى.
ويُقدّر رصيد محسون بنحو 700 أغنية بين أعمال غناها بصوته وألحان قدمها لأصوات أخرى، وكانت «نور الصباح» من أوائل ألحانه، قبل أن تتسع تجربته وتتصل بأسماء بارزة في الشعر والغناء السعودي.
وفي علاقته بالشاعرة ثريا قابل، تشكل أحد أبرز الثنائيات الإبداعية في الأغنية السعودية، وأثمر تعاونهما عددًا من الأعمال التي رسخت في الذاكرة، من بينها «حاول كده وجرب»، و«ما عشقت غيرك»، و«مهما عني تغيب»، و«أهو يقول لك»، إلى جانب أعمال أخرى تغنى بها كبار الفنانين.
كما شكل مع الشاعر صالح جلال تجربة فنية وإنسانية لافتة، أثمرت أعمالًا مثل «مشاوير الهوى»، و«عتبي عليك»، و«سبحانه وقدروا عليك»، و«شوية حب»، و«روح أحمد الله»، و«من سنين»، و«أبغى تذكار»، وغيرها من الأغنيات التي حملت ملامح محسون اللحنية وحسّه الوجداني.
طلال مداح.. ومحمد عبده
وكان الفنان طلال مداح من أبرز الأصوات التي حملت ألحان محسون إلى الجمهور، وأسهمت أعمالهما المشتركة في ترسيخ حضور تجربته؛ فيما امتدت ألحانه إلى أصوات سعودية أخرى، ومن بينها محمد عبده في «لا لا وربي» و«هنوا العروسة»، إلى جانب أسماء فنية أخرى استفادت من تجربته اللحنية.
غير أن قيمة محسون لا تختزل في كثرة ما قدمه من ألحان، بل في طريقته في التعامل مع التراث؛ فقد كان ينظر إلى الموروث الغنائي بوصفه مادة حية قابلة للتجديد، فاستلهم ألوانًا من التراث الحجازي والسعودي، ومنها المجرور والدانات، وأعاد تقديمها في صيغ موسيقية حديثة، محافظًا في الوقت ذاته على روحها وهويتها.
وهنا تحديدًا تتضح دلالة لقب «ضمير الأغنية الجداوية»؛ فالمكان لم يكن خلفية في تجربة محسون، بل كان حاضرًا في إيقاعها ومفرداتها ومزاجها. أما «سيد الشجن» فيلخص قدرته على تحويل العاطفة إلى بناء لحني، فيما يعكس لقب «سيد درويش الأغنية السعودية» ما ارتبط بتجربته من تجديد وتأثير في مسار الأغنية المحلية.
من جدة إلى الذاكرة العربية
ولم تبق أصداء تجربته داخل حدود الساحة السعودية؛ فقد ارتبط اسمه بعلاقات وحكايات فنية مع رموز عربية كبيرة، من بينها أم كلثوم وبليغ حمدي، بما يكشف عن حضور تجربته خارج محيطها المحلي، ويؤكد أن الأغنية الحجازية التي حملها محسون لم تكن منغلقة على بيئتها، بل قادرة على التواصل مع المشهد العربي الأوسع.
وظل محسون، وفق شهادات عدد من معاصريه، شديد الالتصاق بفنه، محافظًا على خصوصيته، ومؤمنًا بأن الأغنية ليست مجرد صوت ولحن، وإنما ذاكرة وهوية وامتداد للمكان.
وفي الأمسية، أعاد الفنان محمد السلطان تقديم عدد من أغاني محسون، لتستعيد الألحان حضورها الحي أمام الجمهور، وتتقاطع الحكاية مع الموسيقى، والذاكرة مع الأداء؛ في ليلة بدا فيها أن أعمال الفنان الراحل لم تعد مجرد تسجيلات من الماضي، وإنما أغانٍ قادرة على استعادة حضورها كلما وجدت من يعيد تقديمها.
وفي ختام الأمسية، كرم مدير الجمعية العربية السعودية للثقافة والفنون بجدة محمد بن إبراهيم آل صبيح الفنان الراحل، مقدمًا الميدالية الذهبية للجمعية إلى نجله المهندس خالد فوزي محسون، كما كرم المشاركين في الأمسية تقديرًا لإسهامهم في هذه الليلة الوفائية.
وأكد آل صبيح أن الجمعية ماضية في الاحتفاء برواد الحركة الفنية والثقافية، واستحضار تجاربهم أمام الأجيال الجديدة، وفتح المساحات أمام الفنانين الشباب للتعرف على النماذج التي أسهمت في صناعة المشهد الفني السعودي، بما يتيح لهم الانطلاق من معرفة الجذور نحو تجاربهم الخاصة.
حين يصبح الفنان ذاكرة مكان
رحل فوزي محسون، لكن تجربته لم ترحل معه؛ إذ بقيت ألحانه جزءًا من الذاكرة الغنائية السعودية، وبقيت جدة حاضرة في تفاصيلها. ولعل تعدد ألقابه لم يكن مبالغة في وصف فنان، بقدر ما كان محاولة للاقتراب من أثره: «سيد الشجن» في وجدانه، و«ضمير الأغنية الجداوية» في علاقته بالمكان، و«سيد درويش الأغنية السعودية» في نزوعه إلى التجديد.
وهكذا، فإن استعادة محسون اليوم لا تعني استحضار فنان من الماضي فحسب، بل إعادة قراءة مرحلة كاملة من تاريخ الأغنية السعودية؛ مرحلة كان فيها اللحن وسيلة لحفظ الذاكرة، وكان التراث مادة للتجديد، وكانت جدة -بكل ما فيها من تنوع وثراء - واحدة من أهم منابع الصوت السعودي الذي عبر من الحارة إلى فضاء الوطن، ثم ترك صداه يتردد أبعد من ذلك.