ناصر بن فريوان الشراري
في العلاقات الدولية، لا تُقاس مكانة الدول بما تملكه من موارد فحسب، بل بقدرتها على تحويل تلك الموارد إلى قرار مستقل، وإلى أوراق تفاوض تمنع الآخرين من التعامل معها بوصفها طرفًا تابعًا أو متلقيًا للشروط، ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة المسار السعودي بوصفه انتقالًا متدرجًا من حماية السيادة إلى بناء الندّية، ومن الاكتفاء بإدارة المخاطر إلى المشاركة في صياغة قواعد اللعبة الإقليمية والدولية. لا يعني ذلك أن المملكة تعمل خارج شبكة التحالفات أو أنها ترفض التعاون مع القوى الكبرى، فالسياسة الواقعية لا تُدار بالعزلة، بل بتعدد الشراكات وتوسيع هامش الحركة، غير أن جوهر النهج السعودي يتمثل في أن التعاون لا ينبغي أن يتحول إلى تبعية، وأن الشراكة لا تُبنى على التنازل عن القرار الوطني، بل على تبادل المصالح والاحترام المتبادل.
«رياح الشرق»: لحظة مبكرة في تثبيت الاستقلالية
لم تولد هذه المقاربة في السنوات الأخيرة، بل تعود جذورها إلى خيارات إستراتيجية اتخذتها الرياض في مراحل مبكرة من تاريخها الحديث، ففي ثمانينيات القرن الماضي، شكّل الحصول على منظومة الصواريخ الصينية المعروفة باسم «رياح الشرق» أو DF-3 لحظة فارقة في التفكير الأمني السعودي، فقد حملت الصفقة، بصرف النظر عن تفاصيلها التقنية والسياسية، رسالة تتجاوز شراء السلاح: أمن المملكة ليس ملفًا يمكن أن يُدار من خلال طرف واحد، ولا يجوز أن يبقى رهينة لقيود مصدر واحد للتسليح أو لحسابات حلفاء متغيرين.
كان المعنى الأعمق للخطوة هو أن تنويع الشراكات ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل جزء من بناء الأمن الوطني، فالدولة التي تنفتح على أكثر من مركز قوة تملك قدرة أكبر على المناورة، وتستطيع أن تقول «لا» عندما تتعارض الشروط الخارجية مع مصالحها الأساسية، ومن هنا أصبحت الاستقلالية السعودية ممارسة سياسية متراكمة، لا شعارًا عابرًا.
من طلب الحماية إلى التفاوض من موقع القوة
في منطقة اعتادت فيها بعض الدول البحث عن مظلات أمنية بأي ثمن، اختارت الرياض أن تتعامل مع الشراكات الكبرى باعتبارها تعاقدًا متبادلًا لا منحة أحادية الجانب، فالمطلوب ليس الحصول على منظومة سلاح أو اتفاق أمني فحسب، وإنما بناء علاقة تضمن للمملكة مصالحها التنموية والأمنية، وتحفظ لها حقها في اتخاذ القرار.
وتكمن أهمية هذا التحول في أن المملكة لم تعد تتعامل مع الملفات الإستراتيجية باعتبارها حزمًا منفصلة، فالتسليح المتقدم، والتعاون الاقتصادي، والطاقة، ونقل التقنية، والاستثمار، والأمن الإقليمي، كلها عناصر تدخل في معادلة واحدة، ولذلك فإن أي اتفاق كبير لا يُقاس بقيمته الرمزية، بل بقدرته على إنتاج مكاسب مستدامة، وبمدى اتساقه مع الأولويات الوطنية بعيدة المدى.
بهذا المعنى، لا تقوم السياسة السعودية على رفض الشروط من حيث المبدأ، بل على رفض الشروط التي تُفرغ الشراكة من مضمونها أو تجعل مصالح المملكة تابعًا لمصالح الطرف الآخر. أما التفاهمات المتوازنة، التي تعترف بالمصالح المتبادلة وتفتح المجال أمام نقل المعرفة وبناء القدرات، فهي جزء من رؤية أوسع لإعادة تعريف العلاقة مع القوى الكبرى.
من مقاتلات «F-35» إلى سيادة التكنولوجيا النووية
يكشف الجدل حول منظومات التسليح المتقدمة، وفي مقدمتها مقاتلات F-35، عن طبيعة المعادلة الجديدة، فالقضية لا تتعلق بامتلاك منصة عسكرية متطورة فحسب، وإنما بموقع المملكة داخل منظومة الأمن الإقليمي، وبالحدود التي يمكن أن تُفرض على خياراتها الدفاعية. كلما ارتفعت قدرة الدولة على تنويع مصادر قوتها وتطوير صناعاتها المحلية، تراجعت قدرتها على أن تكون موضع ابتزاز أو اشتراط غير متوازن.
أما الانتقال إلى ملف التعاون النووي السلمي، فيمثل مستوى أعمق من الطموح، فالمسألة لا تختزل في إنشاء مفاعل أو إنتاج الطاقة، بل تتصل ببناء قاعدة علمية وتقنية قادرة على خدمة الاقتصاد، وتنويع مصادر الطاقة، وتطوير الكفاءات الوطنية، وإرساء استقلال إستراتيجي في مجال بالغ الحساسية. وهنا تبرز نقطتان أساسيتان، الأولى أن المملكة تريد أن تكون شريكًا في إنتاج المعرفة، لا سوقًا لشراء التكنولوجيا الجاهزة، والثانية أن البرنامج النووي السلمي، إذا أُدير وفق أعلى معايير السلامة والشفافية والالتزامات الدولية، يمكن أن يصبح أداة تنموية وسيادية في آن واحد، فامتلاك القدرة لا يعني بالضرورة استخدامها في اتجاه صدامي؛ بل قد يعني ببساطة امتلاك الخيارات، وعدم ترك المستقبل رهينة لاحتكار الآخرين للتقنية.
الندّية لا تعني القطيعة
قد يُساء فهم مفهوم الندّية إذا اختُزل في لغة التحدي أو في رفض كل ما يأتي من الخارج. الندّية، في جوهرها، ليست قطيعة مع العالم، بل طريقة مختلفة للانخراط فيه، إنها تدخل الدولة إلى التفاوض وهي تعرف قيمة موقعها، وتدرك حجم أوراقها، وتحدد ما تقبله وما لا تقبله، من دون أن تفقد القدرة على التسوية عندما تخدم التسوية مصالحها.
وتملك السعودية عناصر متعددة تمنحها هذا الهامش: ثقلها الاقتصادي، ومكانتها في سوق الطاقة، وموقعها الجغرافي، ووزنها العربي والإسلامي، ودورها في ملفات إقليمية ودولية متشابكة. لكن قيمة هذه العناصر لا تنبع من وجودها وحده، بل من حسن إدارتها، وربطها بإستراتيجية واضحة، وتحويلها إلى نفوذ تفاوضي قابل للقياس.
قيادة الإقليم عبر تعدد المحاور
لم تعد المحورية الإقليمية تُبنى بالاعتماد على قوة عظمى واحدة. فالعالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة، والدول الأكثر قدرة على حماية مصالحها هي التي تنجح في نسج علاقات متوازنة مع أطراف مختلفة، من دون أن تتحول إلى ساحة صراع بالوكالة.
ومن هذا المنظور، تحاول الرياض بناء موقعها عبر موازنة علاقاتها مع الشرق والغرب، وتعزيز حضورها الاقتصادي والسياسي، وتوسيع شراكاتها في مجالات الطاقة والدفاع والتقنية والاستثمار. هذه السياسة لا تعني أن جميع الأطراف متساوية في الأهمية أو التأثير، لكنها تعني أن المملكة لا تريد أن يكون مستقبلها مرتبطًا بإرادة عاصمة واحدة.
إن الصوت المسموع دوليًا لا يصدر من الخطابات وحدها، بل من القدرة على ترجمة المواقف إلى سياسات، والمصالح إلى اتفاقات، والموارد إلى نفوذ، والطموحات إلى مؤسسات وقدرات وطنية. وكلما تقدمت المملكة في توطين صناعاتها وتقنياتها، اتسع نطاق استقلال قرارها، وأصبحت الشراكات معها أكثر توازنًا وأقل قابلية للاختزال في منطق الحماية مقابل التنازل.
السيادة بوصفها إستراتيجية
من «رياح الشرق» إلى نقاشات التسليح المتقدم، ومن تنويع الشراكات إلى بناء برنامج نووي سلمي، يمكن فهم المسار السعودي باعتباره سعيًا متدرجًا إلى تثبيت قاعدة واحدة: لا أمن مستدامًا بلا قرار مستقل، ولا شراكة ناجحة بلا احترام متبادل، ولا نفوذ حقيقيًا بلا قدرة وطنية.
لقد تغيرت طبيعة القوة في العالم. لم تعد القوة تقاس بالسلاح وحده، ولا بحجم الاقتصاد وحده، بل بقدرة الدولة على الجمع بين الأمن والتنمية والتقنية والدبلوماسية، وعلى تحويل موقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي إلى خيارات سياسية، وفي هذه المعادلة، لا تكون الندّية ادعاءً، بل نتيجة طبيعية لتراكم عناصر القوة وحسن توظيفها.
لذلك، فإن الرسالة الأوضح في التجربة السعودية ليست أن المملكة تريد انتزاع مكاسب من الآخرين، بل أنها تريد إعادة تعريف طريقة التفاوض معها: من دولة يُطلب منها أن تستجيب، إلى دولة تُصاغ معها التفاهمات، ومن طرف يتلقى الضمانات، إلى شريك يشارك في إنتاج الأمن، ومن سوق للتكنولوجيا، إلى مركز يسعى إلى امتلاكها وتوطينها. وهذه، في النهاية، هي الطريق الأكثر ثباتًا لحماية المصالح الوطنية وجعل القرار السيادي نقطة البداية في كل شراكة، لا بندًا قابلًا للمساومة.