رمضان جريدي العنزي
للتعصب والعنصرية دهاليز مظلمة ومنعطفات ملتوية، ولهما روائح كريهة تشبه رائحة الطحالب والسبخ، وأصوات نشاز كأصوات الضفادع والبوم والغربان، فلا يخرج منهما إلا القبح، ولا يثمران إلا الكراهية، وفي عالمهما سوادٌ وعتمة، ورماديةٌ مقيتة، تغيب فيها شمس العقل، وتُدفن قيم العدل والإنصاف، ويُستبدل ميزان الأخلاق بميزان اللون والقبيلة والمنطقة والمكان، إن التعصب ليس قوة، والعنصرية ليست مجداً، إنهما نكوصٌ عن الفطرة، وتخلّف عن ركب الإنسانية، وعجز عن رؤية الإنسان بما يحمله من أخلاق وقيم، لا بما يحمله من اسم أو لون، وما أضعف الإنسان حين يحتاج إلى تحقير غيره ليشعر بعظمته، فالعظيم لا يزدري، والكريم لا يقصي، والواثق لا يحتاج إلى عنصريةٍ يتكئ عليها، فالمجتمعات لا تقوى بالتعصب، وإنما تقوى بالعدل، ولا تتقدم بالعنصرية، وإنما تنهض حين يتسع صدرها للإنسان، ويكون معيار التفاضل فيها هو الخُلُق والعمل والإنجاز، وللتعصب والعنصرية دهاليز مظلمة، يبدأ بكلمة، ثم يتحول إلى موقف، ثم يصبح ثقافة، حتى يعتاد الإنسان رؤية الآخرين بعين التصنيف لا بعين الإنسانية، ومن هنا تبدأ المجتمعات في فقدان أجمل ما فيها: الثقة والتآلف والاحترام، أما العنصرية، فهي الوجه الأكثر قسوة لهذا المرض؛ لأنها تمنح صاحبها وهماً زائفاً بالتفوق، وتجعله يظن أن انتماءه يمنحه حق التقليل من الآخرين، وما أسوأ أن يستمد المرء قيمته من انتقاص قيمة غيره، إن المجتمع المتعافي ليس مجتمعاً متشابهاً، بل مجتمعٌ يعرف كيف يحترم اختلاف أفراده دون أن يحول الاختلاف إلى خصومة، أو التنوع إلى صراع، أو الانتماء إلى سلاح، نحن بحاجة إلى أن نربي أبناءنا على أن الوطن دون سواه فخرٌ بالانتماء، وأن المسألة أخلاقية لا امتيازٌ على الآخرين، وأن الإنسان يُرفع بسيرته لا بانتمائه ومنصبه، وبأخلاقه لا بلونه، وبمواقفه لا بما يدّعيه لنفسه، فالتعصب لا يصنع مجتمعاً قوياً، والعنصرية لا تصنع إنساناً عظيماً، كلاهما نكوصٌ عن الوعي، وتراجعٌ عن الإنسانية، وهروب من ميزان عادل لا يعترف إلا بما يقدمه الإنسان، فالناس لا تتفاضل بما وُلدت عليه، وإنما بما أصبحت عليه؛ ومن احتاج إلى تحقير غيره ليشعر بعظمته، فقد أعلن عن ضعفه دون أن يشعر، لقد بدأ البعض في الآونة الأخيرة بالنفخ في بوق العنصرية والتعصب، وإحياء نعراتٍ ظننا أن الوعي قد تجاوزها، وكأنهم يريدون للمجتمع أن يعود إلى لغةٍ عفا عليها الزمن، لة التصنيف والإقصاء والمفاضلة بالعرق والمنطقة والقبيلة، والأخطر من العنصرية نفسها أن تُقدَّم في ثوب الفخر، وأن يُسوَّق التعصب على أنه اعتزاز، وأن يتحول الانتماء الجميل إلى وسيلة لانتقاص الآخرين، إن الاعتزاز بالذات لا يعني احتقار الآخر، والفخر لا يمنح أحداً حق التقليل من غيره، والانتماء للمكان لا يصنع للإنسان قيمةً فوق قيمة إنسان آخر، فكل إنسان يُحترم بإنسانيته، ويُعرف بأخلاقه، وتُقاس مكانته بما يقدمه لا بما ورثه، فكم من وارث لا يفقه شيئاَ سوى ما يحمله من إرث، قد يكون حقيقة وقد يكون مخالفاً لها، إن النفخ في بوق العنصرية ليس مجرد كلمات، فهو شرارة قد تشعل في النفوس ما يفسد العلاقات ويهدم الثقة ويمزق النسيج الاجتماعي، والمجتمع الواعي لا يسمح للأصوات النشاز أن تعيد تشكيل وعيه أو أن تجرّه إلى معارك الماضي، نحن بحاجة إلى أن نرفع صوت العقل فوق أصوات التعصب، وأن نُعلّم أبناءنا أن الاختلاف تنوعٌ يُثري المجتمع، لا مبررٌ للتفاخر الجارح أو الانتقاص من الآخرين، فالعنصرية لا ترفع صاحبها، وإنما تكشف ضيق أفقه، ومن احتاج إلى تصغير الآخرين ليبدو كبيراً، فقد أعلن عن صِغرِه بنفسه، ولن تكون الأصوات النشاز التي بدأت تطل برأسها من جديد قادرةً على فكّ ذلك الحبل المتين الذي جمع أبناء الوطن، ولا على إعادة عقارب الوعي إلى الوراء، فقد قامت الدولة أعزها الله على وحدةٍ راسخة، وتماسك فريد، جمع الأطياف كلها وصهرها في بوتقة واحدة، وجاء الإسلام الحنيف ليهدم العصبية الجاهلية، ويقرر أن التفاضل بين الناس بالتقوى والعمل الصالح، لا باللون والمنطقة والعائلة والقبيلة، ومن أراد اليوم أن ينفخ في بوق العنصرية، أو يوقظ نعراتٍ تجاوزها الزمن، فليعلم أن المجتمع الواعي لا تهزه أصواتٌ عابرة، وأن الوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع، بل قيمةٌ تُصان، وأن من يحاول تمزيق النسيج المتين الذي جمع أبناء الوطن إنما يصطدم بوعيٍ راسخ وإرثٍ ديني وأخلاقي لا يقبل العودة إلى الجاهلية، فلا مكان بيننا لصوتٍ يفرّق، ولا لمن يجعل من ذاته سلّماً لاحتقار غيره، فالوطن يتسع للجميع، والإسلام أسمى من العصبية، والإنسان أكبر من أن يُختزل في قبيلة أو عائلة أو لون أو منطقة، ومن أراد أن يعيدنا إلى عتمة التعصب، فسيجد أمامه وطناً أقوى من نعرته، ووعياً أكبر من صوته، وإرثاً إسلامياً أسقط العصبية يوم جعل ميزان الإنسان تقواه وخلقه وعمله، وأخيراً علينا كبح هه الأصوات النشاز التي تطل علينا من حين لآخر في وسائل التواصل تبث سمومها وتحاول إحياء الماضي الدفين، وإغلاق الباب أمام كل محاولةٍ لإثارة الفتن أو إعادة إنتاج خطابٍ تجاوزه الوعي المجتمعي والديني، فالمجتمعات التي تتقدم لا تلتفت إلى الوراء، ولا تمنح مساحةً لمن يسعى إلى تمزيق وحدتها أو التشكيك في تماسكها، كما ينبغي تعزيز وترسيخ قيم الاحترام المتبادل، وتحصين الأجيال الناشئة من كل فكرٍ متطرف أو دعوةٍ عنصريةٍ مقيتة، عبر التعليم والإعلام والأسرة، فبناء الوعي هو السلاح الحقيقي في مواجهة هذه الظواهر، وهو الضمانة الأهم لبقاء المجتمع متماسكاً وقادراً على مواجهة التحديات، ولن يتحقق ذلك إلا بتكاتف الجميع، أفراداً ومؤسسات، في رفض كل خطابٍ يزرع الكراهية أو يثير النعرات.