أ.د.عثمان بن صالح العامر
ساورني هذا المساء وأنا أفكر بحال مدارسنا صباح أمس الأول الأحد 10/ 3/ 1448 للهجرة، الموافق 23/ 8/ 2026 للميلاد وهي تستقبل عاماً دراسياً جديداً، سؤال أساسي، ترى، أيهما أهم في رسالة المعلم اليوم: (التربية أم التعليم)؟.
قد يبدو السؤال في ظاهره سؤالًا للمفاضلة، غير أنني أراه سؤالًا للتأمل في جوهر الرسالة التي يحملها المعلم، وفي الدور الذي ينبغي أن تؤديه المدرسة والجامعة في حياة الطالب والطالبة على حد سواء.
لا يخفى على أحد منا أننا نعيش في زمن أصبحت فيه المعلومة متاحة بصورة غير مسبوقة؛ بضغطة زر يستطيع الطالب أن يصل إلى آلاف الكتب والمقالات والمحاضرات والدروس، وأن يحصل على إجابة عن كثير من أسئلته في لحظات. لم تعد المدرسة هي المصدر الوحيد للمعرفة، ولا المعلم هو الناقل الحصري للمعلومة كما كان في أزمنة سابقة. لكن، في المقابل، يبدو أننا نواجه تحديًا آخر أكثر عمقًا وأشد خطورة : من يربي أولادنا فلذات أكبادنا؟.
لقد كانت التربية، في صورتها الاجتماعية التقليدية، مسؤولية تشترك فيها الأسرة والمدرسة والمسجد والحي، وكانت هذه المؤسسات تشكل معًا منظومة متكاملة للتنشئة الاجتماعية. كان الطفل يجد أمامه نماذج متعددة يتعلم منها السلوك والقيم والاحترام والمسؤولية والانتماء. أما اليوم، فقد تعددت مصادر التأثير، وتداخلت أدوارها، وأصبح الطفل والناشئ والشاب بل حتى من بلغ مبلغ الرجال للأسف يتلقى قيمه وأفكاره وسلوكياته من مصادر لا حصر لها، بعضها لا نعرفه، والبعض الآخر نعرفه ولكننا لا نملك القدرة على التحكم فيه. أصبحت الشاشة، بما تحمله من محتوى متنوع، شريكًا حاضرًا في عملية تشكيل الوعي والسلوك، وربما منافسًا قويًا للأسرة والمدرسة في بعض الأحيان. وهنا تتأكد أهمية التربية.
المعلم اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد ناقل للمعلومة، بل صانعًا للوعي، وبانيًا للشخصية، وقدوةً في السلوك قبل أن يكون شارحًا للدرس. فالمعلومة يستطيع الطالب أن يصل إليها بوسائل كثيرة، أما بناء الإنسان المتوازن، القادر على التمييز بين الصواب والخطأ، واحترام الآخر، وتحمل المسؤولية، والالتزام بالقيم، فذلك عمل تربوي يحتاج إلى إنسان يربي قبل أن يحتاج إلى جهاز يعلّم. ومع ذلك، لا يمكن أن نقول إن التربية تغني عن التعليم. فالأمم لا تنهض بالمواعظ وحدها، وإنما بالعلم والمعرفة والمهارة والابتكار والبحث والإبداع. ولذلك فإن القضية ليست: هل نربي أم نعلّم؟ وإنما: كيف نجعل التعليم تربية، والتربية تعليمًا؟
إن التعليم الحقيقي هو الذي يترك أثرًا في عقل المتعلم وسلوكه معًا؛ يوسع مداركه، ويهذب وجدانه، ويمنحه القدرة على التفكير والنقد والحوار، ويغرس فيه الشعور بالمسؤولية تجاه نفسه وأسرته ومجتمعه ووطنه.
إننا بحاجة، مع بداية كل عام دراسي، أن نستعيد هذا المعنى في رسالتنا التعليمية: أن نعيد للمعلم دوره التربوي، وللوالدين مسئوليتهم العظيمة، نذكر الأسرة بدورها الأصيل، والمدرسة بمكانتها العالية بوصفها بيئة لبناء الإنسان، بحاجة أن تتكامل هذه الأدوار بدل أن يعمل كل طرف بمعزل عن الآخر. فالمدرسة التي تقدم المعرفة دون أن تبني القيم قد تخرج متعلمًا، لكنها لا تضمن بالضرورة أن تخرج إنسانًا. والأسرة التي تترك التربية للمؤثرات الخارجية قد تفقد شيئًا من قدرتها على توجيه أبنائها. والمجتمع الذي يهتم بمخرجات التعليم ولا يهتم بنوعية الإنسان الذي يصنعه هذا التعليم، قد يحقق تقدمًا معرفيًا، لكنه يظل بحاجة إلى تقدم أخلاقي واجتماعي يوازيه. ومن هنا أقول: إن حاجتنا اليوم إلى التربية ليست أقل من حاجتنا إلى التعليم، بل لعلها أصبحت أكثر إلحاحًا في زمن وفرة المعلومات وتعدد مصادر التأثير. فالمعلومة قد تصنع متخصصًا، لكن التربية تصنع إنسانًا. والمجتمع في نهاية المطاف لا يحتاج إلى عقول تعرف فقط، وإنما إلى عقول تعرف، وقلوب تشعر، ونفوس تتحمل المسؤولية، وأشخاص يجعلون من علمهم وسيلة للبناء والإصلاح.
إن السؤال الرئيس الذي يجب أن نتوقف عنده جميعًا، وأن يجيب عنه كلٌّ منا بمصداقية ووضوح، ترى : ماذا نريد أن نعلّم أبناءنا؟ وماذا نتمنى أن يكونوا؟.
ولا يخفى أن الإجابة عن السؤال الثاني هي التي تحدد لنا إجابة السؤال الأول. أسأل الله - عز وجل - أن يكون عامنا الدراسي الجديد عام خير وبركة وتوفيق ونجاح، دمتم بخير وتقبلوا صادق الود والسلام.