عبدالرحمن الحضري
كنت طفلاً في كنف جدتي رحمها الله، حين سمعتها ذات مرة تتنهد بشوق لبناتها المتزوجات بعيدًا عنها، فقالت تسخر من حالها: «كل بنت من بناتي تحت نجمة».
لم أفهم مغزى هذه الجملة في حينها، حتى أدركت لاحقًا أنها تقصد تبعثر بناتها في مدن المملكة المترامية الأطراف. وببراءة طفل يظن أن النجوم دانية، قطفت لها نجومًا رسمتها على ورقة ووضعتها في حجرها. ضحكت جدتي وامتدحت صنيعي، ثم أقنعتني بأن كل هذه النجوم ستنزل إلى الأرض وتجتمع في «رفحاء» خلال العطلة الصيفية، وبمجرد أن أطل الصيف هبطت النجوم وملحقاتها، ليتحول بيت جدي الفسيح إلى مسرح عمليات.
وسط هذا الزحام، لفتني تنوع اللهجات بين أبناء الخالات؛ فالقادمون من المنطقة الشرقية يسمّون كيس الرقائق المقرمشة (بفك)، وأنا ومجموعتي نسميه (بطاط)، بينما أطلق عليها القادمون من الوسطى (بطاطس). لكن واحدًا فقط من القادمين من (هناك) يسميها: «إنها تقرمش»!
السر يكمن في إعلانات التلفزيون زمان، التي كانت بمثابة الفقرة الترفيهية للأطفال. كان من بينها إعلان لـ (تشيبس)، يظهر فيه الممثل يلتهم الرقائق ويقول للترغيب: «إنها تقرمش»
دارت الأزمان وتبدلت الأدوار. كبرنا وأصبحتُ جَدّاً، وصار بيتي بدوره مسرح عمليات. ولأني جَدٌّ صالح، قررت التنازل عن نشرات الأخبار المعتادة، لأشغل للمتحلقين حولي من أحفادي مقتطفات من كرتون زمان «مسلسل سالي» وهنا كانت الصدمة، اكتشفت أني أُشغّل المسلسل ولا يشاهده متأثرًا سواي!
في مشهد درامي.. تركب سالي عربة يجرها حصان أبيض. صحت بحماس طفولي لألفت انتباه أحفادي الغارقين في شاشات أجهزتهم الذكية: يا سلام؛ عربة يجرها حصان أبيض..
حينها؛ رفع أكثرهم شقاوة رأسه من شاشة الآيباد مجاملةً لي، وبحنجرة قوية صحح لي المعلومة وصاح بدوره: وايت هووورس!
كان التلفزيون اليتيم زمان هو وسيلة التأثير الأقوى والأوحد على الأطفال، أما اليوم فقد تبدد هذا التأثير وتوزع بين التيك توك، الإنستغرام، اليوتيوب، وكل ما يشع من الأجهزة الذكية. الأسوأ من ذلك، أن حُمى المشاهدات - والعائد المادي - دفعت بنجوم هذه التطبيقات إلى فعل كل شيء، مهما كان سخيفًا أو ممجوجًا أو مخلاً، لمجرد حصد المال.
استوقفني هذا الانحدار، وبحثت طويلاً في المحتوى الموجه لأطفالنا اليوم. وجدت بعض المحاولات الفردية، لكن وبما أنها فردية تجد فيها أخطاءً فادحة، وليت الأمر يتوقف عند السطحية، بل يتعداه إلى كوارث معرفية يصدرونها لأطفالنا، فتخيلوا يوتيوبر يحاول ربط طفل بحرب جزر الفوكلاند التي شنتها مارغريت تاتشر على الأرجنتين، فقط ليقنعه بأن الأرجنتين تسعى للثأر من الإنجليز في كأس العالم! ولتكتمل الطبخة الثقافية يصف تاتشر بـ «رئيسة المملكة المتحدة»! وفي جملة أخرى في ذات الحلقة يقول: الرئيسة البريطانية!
في المقابل، تبرز أعمال أجنبية ومحتويات مدروسة تحظى بقبول مذهل لدى الأطفال، الذين يقبلون عليها وينتظرونها بشغف. وللإنصاف، فقد نجح بعضها في غرس عادات حميدة لديهم، وتعليمهم مكارم الأخلاق، بل وتطوير لغتهم الإنجليزية، كما أنها تمتلك جودة إنتاجية واحترافية عالية تزرع الطمأنينة في قلوب الآباء والأمهات، وبالرغم من أن المحتوى الغربي لا يخلو من الإسقاط أحيانًا، إلا أن وعي المجتمع يمثل حائط الصد الأول لاختيار ما ينفع وترك ما يضر.
لكن هذا الوعي يجب ألا يتوقف عند حدود الحماية والمنع، بل يمتد إلى دعم البديل، وهنا فيصل الموضوع، فنحن غالبًا ما نكتفي بالامتعاض من صانع المحتوى المستهتر دون تقديم حلول عملية، وفي الوقت ذاته نكتفي بالثناء الشفهي على المُجد دون أن نقدم له شيئًا ملموسًا يستفيد منه، مع أن الدعم الإليكتروني البسيط والذي لا يتجاوز حدود «اللايك» أحيانًا هو ما يضمن استمراره في الإبداع وتقديم محتوى محلي لائق يناسب أطفالنا.
قبل الختام
ابن خالتي الذي كان يسمي البطاطس «إنها تقرمش» كبر ليصبح كابتن طيار في الخطوط السعودية، وما أزال حتى اليوم أتخيله في قمرة القيادة يقرمش ويترنم:
أنا ما ذبحني كود غروٍ عليه الكاب
على كابها رمز الخطوط السعودية
سلطنوا..