فائز بن سلمان الحمدي
أيها الوطن الذي أودع الله في ثراك سرَّ العزة، وفي سمائك معنى السيادة، وفي رجالِك بأسَ الإيمان، إنك ما كنت يومًا أرضًا تُغري المعتدين، بل كنت قدرًا يُرهبهم، وسيفًا تُفلُّ على حدِّه أطماعُ الطامعين. فما هان لك لواء، ولا انكسر لك جناح، ولا لانت لك قناة، لأنك قمت على عقيدةٍ لا تُقهر، وتاريخٍ لا يُمحى، وشعبٍ إذا نادى الواجبُ أجابه بقلوبٍ لا تعرف التردد، وأرواحٍ لا تزن الكرامة بميزان الحياة.
وإن الذين حسبوا أن آلةً جوفاء، أو طائرةً تائهةً في لجج السماء، تستطيع أن تنال من أمن المملكة أو تُزعزع يقينها، قد جهلوا أن للأوطان هيبةً لا تُقاس بعدد العُدد، وإنما تُقاس بما في صدور رجالها من عزائم لو صُبَّت على الجبال لأذابت صخورها، ولو وُزنت بالأرض لمالت بها كفةُ المجد.
لقد اعترضت سواعدُ البأس تلك المسيّرات قبل أن تبلغ غايتها، لا لأن الحديد أشد من الحديد، ولكن لأن الإيمان إذا حمل السلاح صار السلاح روحًا قبل أن يكون معدنًا، وصارت السماء نفسها حارسًا لمن أخلص لله ثم لوطنه.
هنالك رجالٌ وقفوا بين الوطن والخطر كما تقف الجبال بين الريح والديار؛ لا يلتفتون إلى الموت لأنه يلتفت إليهم هيبةً، ولا يخشون الوعيد لأنهم يعلمون أن من استودع الله وطنه لا يضيعه الله. ويح المعتدي! ما أضيق نظره، وما أوهن رأيه؛ إذ ظن أن سهمًا طائشًا يبلغ من أمةٍ كتب الله لها أن تكون منارةً للعرب والمسلمين، وحصنًا منيعًا للاستقرار، ورايةً لا تنكسها الليالي ولا تعصف بها الأعاصير. وهل تُطفأ الشمس بنفخة؟ وهل يُزحزح الراسخُ في الأرض بريحٍ عابرة؟ كلا، إنما تتكسر النصال على صدور العظماء، ثم تعود خاسئةً وهي حسيرة. يا أبناء المملكة، إن الوطن ليس لفظًا تردده الشفاه إذا صفا الزمان، وإنما هو عهدٌ يُوفى إذا اسودَّت الخطوب، وأمانةٌ تُصان إذا تكالبت المحن. فكونوا كما عهدكم الله: صفًا لا يتصدع، وقلبًا لا يتفرق، وكلمةً لا تتشظى، فإن الأمم لا تُؤتى من قلة السلاح، ولكن تُؤتى إذا تفرقت قلوبها، فإذا اجتمعت القلوب على الحق، صارت الأمة حصنًا لا تُدركه معاول الهدم.
سلامٌ على أولئك الحراس الذين باعوا لذائذ النوم ليشتري الشعبُ طمأنينةَ الليل، وسلامٌ على أولئك الجنود الذين جعلوا صدورهم سورًا منيعًا دون العقيدة والديار، وسلامٌ على قيادةٍ حملت همَّ الوطن أمانةً، فلم تزدها الخطوب إلا ثباتًا، ولم تزدها التحديات إلا يقينًا بأن الله ناصرٌ من نصره، وحافظٌ من استعصم بحبله.
وسيظل هذا الوطن، بإذن الله، عصيَّ الجانب، مهيبَ الجناب، تُكسر على أعتابه مطامع المعتدين، وتخور عند أسواره عزائم المتربصين، لأن له ربًا يحفظه، وقيادةً تدبر أمره، وشعبًا إذا مُسَّت كرامته انتفض كالبحر إذا هاج، وإذا دُعي إلى الوفاء لبّى كالسيف إذا استُلَّ من غمده. فلا السماء تُسلِّم مفاتيحها للغادرين، ولا الأرض تُنبت في هذه البلاد إلا رجالًا يعرفون أن المجد ميراثُ الشرفاء، وأن الذود عن الوطن شريعةُ الأوفياء، وأن راية المملكة ستبقى، ما بقي الليل والنهار، عاليةً خفاقةً، تُعانق السحاب، شاهدةً أن لهذه الأرض رجالًا إذا قالوا صدقوا، وإذا عاهدوا وفوا، وإذا استُنفروا كانوا بأسًا لا يُغلب، وسدًّا لا يُثلم، ودرعًا لا يُخرق، {وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}.