عبدالمطلوب مبارك البدراني
تزخر «الحجاز» بالكثير من المعالم الجغرافية التي تقاطعت مع كتب التاريخ، فصارت جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة المكان وإنسان المنطقة. ولعل من أبرز هذه المعالم الشامخة التي ترسم هيبة الطبيعة في جنوب منطقة المدينة المنورة، جبل «آرَة»، أو ما يطلق عليه أهالي وادي الفرع محلياً اسم «الهضبة».
ولأنني شغوف جداً بالكتابة عن محافظة وادي الفرع ومعالمها التاريخية والجغرافية، وكوني أرفق هذا الجبل وأعرفه جيداً منذ الصغر؛ إذ اعتليت قممَه الشاهقة ومشيت عبر سفوحه الجميلة -خاصة في أَيام الأمطار والربيع- فإنني سأطرق أبواب هذا المعلم المهم جداً. هذا المارد الصخري العظيم لا يمثِّل مجرد كتلة صماء في جغرافية الوادي، بل هو كتاب مفتوح يروي حكايات المجد والخصوبة وعراقة التاريخ المتأصل في تراب الحجارة والنخيل.
جغرافية الأبهة والشموخ
يقف جبل آرَة (الهضبة) بشموخه المميز ليقابل جبل قدس الشهير، مكتنفاً بطياته وقممه العديد من القرى والأودية. وتتوزع في لحوفه وسفوحه قرى وادي الفرع التاريخية العامرة بالنخيل والينابيع، مثل:
• قرية المضيق: التي تتباهى بجمالها بين أحضان هذا الجبل العملاق.
• قرية أم العيال.
• منتزه السدة الشهير.
حين يطلق أهالي وادي الفرع اسم «الهضبة» على هذا الجبل، فإنهم يعنون ذلك المعلم المهيب الذي يفرض حضوره البصري والنفسي على كل من زار الوادي أو قطن قربه؛ فهو علامة طريق، ومرسى نظر، وظل ممدود يحمي الواحة ويعانق السحاب.
في عيون المؤرِّخين والبلدانيين
لم يكن جبل آرَة وليد العصر الحديث، بل حظي بعناية فائقة من أساطين الجغرافيا والتاريخ العرب القدامى؛ فقد ذكره البكري الأندلسي، وياقوت الحموي، وغيرهما، وأشاروا إلى عظمته وموقعه المحاط بالقرى والعيون الجارية.
ولطالما تغنى الشعراء العرب بهذا الجبل وأقرانه من معالم الحجاز، وبقي اسماً متردداً في دواوين العرب وأخبارهم، نظراً لموقعه الإستراتيجي وطبيعته الفريدة التي تجمع بين قسوة الجبال وعذوبة المياه المنفجرة من سفوحه.
واحة العيون والذاكرة الزراعية
ما يميز جبل «آرَة» (الهضبة) هو ارتباطه العضوي بالحياة والماء؛ فمن جوانبه كانت تنفجر العيون الزلالية التي تغذِّي بساتين النخيل والزرع في وادي الفرع. وتبقى الذاكرة الشعبية لأهالي الوادي محتفظة بقصص تلك العيون التي سقت الأجيال، وظلت شاهدة على استقرار الإنسان في هذه البقعة المباركة منذ آلاف السنين.
لفتة جغرافية
القرى الواقعة على لحف هذه الهضبة تمتلك سحراً خاصاً يمزج بين صلابة الصخر ورقة الخضرة. ومن لا يعرف هذه الهضبة، فإن في أعلاها أرضاً منبسطة وزراعية كانت تزرع على مياه الأمطار بـ»البر والشعير»، لتشكِّل مناظر طبيعية خلاَّبة تبهر الأبصار.
إرث يستحق الوفاء
إن جبل «آرَة» ليس مجرد صخور تكسوها هيبة الزمن، بل هو رمز هوياتي لأهالي وادي الفرع، وشاهد عيان على تاريخ طويل من الكفاح الإنساني والتعمير الزراعي.
إن تسليط الضوء على هذه الهضبة الشامخة يجسد وفاءً للمكان وتاريخه العريق، ودعوة متجددة لاستنطاق موروثنا البيئي والحضاري، وإبقائه حياً في وجدان الأجيال القادمة كجزء من سبر أغوار جغرافية الوطن الغالي وتاريخه المجيد.