د. سطام بن عبدالله آل سعد
تأتي زيارة ولي العهد -حفظه الله- إلى باريس بالتزامن مع ملفات إقليمية حساسة تتصل بأمن الطاقة والممرات البحرية والأزمات التي تشهدها المنطقة، وهي قضايا تفرض حضورها على المباحثات السعودية - الفرنسية. من هنا يكتسب لقاؤه بالرئيس الفرنسي أهمية تتجاوز الإطار الثنائي، إلى التنسيق حول قضايا ترتبط بمصالح البلدين واستقرار المنطقة.
وعلى الطاولة ملفات سياسية واقتصادية تتداخل فيها الشراكات الاستثمارية مع القضايا الإقليمية والدولية. يشير هذا التداخل إلى مستوى متقدم من التعاون بين الرياض وباريس، بعد أن اتسعت مجالاته من القطاعات التقليدية إلى شراكة أوسع تجمع التعاون الاقتصادي بالتنسيق السياسي، مستندة إلى روابط دبلوماسية تمتد لأكثر من تسعة عقود.
ويظهر الجانب الاقتصادي بوضوح في حجم الحضور الفرنسي داخل المملكة؛ إذ تعمل مئات الشركات الفرنسية في قطاعات تشمل النقل والطاقة والصناعة والتقنية والسياحة، وتشارك في مشروعات كبرى مثل مترو الرياض وتطوير العلا والطاقة المتجددة. وفي مشروع تطوير العلا وحده، أُسند منذ عام 2019 أكثر من 170 عقدًا إلى شركات فرنسية، وهو ما يوضح حجم المشاركة الفرنسية المباشرة في مشروعات التحول الاقتصادي التي تشهدها المملكة.
في المقابل، تسعى باريس إلى جذب مزيد من الاستثمارات السعودية إلى السوق الفرنسية، بما يعزز المنافع الاقتصادية المتبادلة بين البلدين. ويضاف إلى ذلك ثقل المملكة في أسواق الطاقة ودورها السياسي في منطقة يرتبط استقرارها مباشرة بالمصالح الأوروبية والعالمية، ما يرفع من أهمية الرياض في الحسابات الفرنسية على المستويين الاقتصادي والاستراتيجي.
الرياض بدورها تنظر إلى فرنسا بوصفها شريكًا مهمًا، لما تمتلكه من قدرات صناعية وتقنية ومكانة دولية، فهي إحدى القوى الرئيسة في أوروبا وعضو دائمًا في مجلس الأمن. وتبرز قيمة هذا التعاون عندما يتحول إلى استثمارات نوعية، ونقل للمعرفة، وشراكات صناعية ترفع القيمة المضافة داخل الاقتصاد السعودي.
ويمتد التعاون إلى مجالات جديدة، من بينها الرياضات الإلكترونية التي تقدم نموذجًا لافتًا لهذا التوسع؛ إذ انتقل كأس العالم الذي انطلق من الرياض برؤية سعودية إلى باريس هذا العام، بحضور ولي العهد والرئيس الفرنسي في ختام نسخته الدولية. ويحمل هذا المشهد دلالة مهمة؛ فالمملكة أصبحت صاحبة مبادرات تنطلق من الداخل وتجد امتدادها على الساحة العالمية، بما يؤكد قدرتها على صناعة أحداث ومشروعات ذات حضور دولي.
من هذه الزاوية، تُجسد الزيارة رؤية سعودية تقوم على توسيع الشراكات مع القوى المؤثرة وبناء التعاون الدولي وفق الأولويات الوطنية، بما يوظف مكانة المملكة في تحقيق فرص استثمارية ومكاسب تنموية ملموسة. ويتجلى ذلك في تنوع الملفات التي تحملها الزيارة، من الطاقة والاستثمار إلى الأمن والقضايا الإقليمية. ويبرهن هذا التنوع على أن العلاقات السعودية - الفرنسية دخلت مرحلة أكثر عمقاً، وأن المملكة تتحرك دوليًا من موقع مؤثر، قادرة على صناعة المبادرة وتوظيف علاقاتها لخدمة مصالحها الوطنية.