د. عيسى محمد العميري
تؤكد النتائج التي حققتها مؤسسة البترول الكويتية وشركاتها التابعة أن دولة الكويت تمضي بخطوات ثابتة ومدروسة في إدارة ثروتها النفطية وتعزيز عوائدها، رغم الظروف الاقتصادية والجيوسياسية الصعبة التي تشهدها المنطقة والعالم. ويأتي اعتماد المجلس الأعلى للبترول للحساب الختامي للمؤسسة وشركاتها التابعة للسنة المالية 2025 - 2026، وما أظهره من تحقيق أرباح صافية بلغت نحو 2.155 مليار دينار، ليعكس نجاحاً مهماً في السياسات والخطط التي انتهجتها الدولة في إدارة القطاع النفطي. ولا يمكن النظر إلى هذه النتائج بمعزل عن الظروف المحيطة بصناعة النفط العالمية، والتي شهدت خلال الفترة الماضية تقلبات في الأسعار وتغيرات في مستويات الطلب والإنتاج، إلى جانب التوترات السياسية والأمنية التي ألقت بظلالها على منطقة الخليج العربي وممرات الطاقة والتجارة الدولية.
ومع ذلك، تمكنت الكويت من المحافظة على قوة قطاعها النفطي، واستمرت في تطوير أعمالها ومشروعاتها، بما يعزز مكانتها كدولة منتجة وفاعلة في سوق الطاقة العالمي.
إن تحقيق هذه الأرباح يمثل مؤشراً إيجابياً على سلامة النهج الذي تتبعه الدولة في إدارة موردها الأساسي، خصوصاً أن مؤسسة البترول الكويتية لا تعمل بمنظور قصير المدى، وإنما وفق استراتيجيات تستهدف تطوير الصناعة النفطية ورفع كفاءتها وتحقيق قيمة مضافة أكبر. وقد أكدت الدولة توجهها نحو تعزيز الكفاءة التشغيلية، وتطوير الصناعات المرتبطة بالنفط والغاز والتكرير والبتروكيماويات، بما يساهم في زيادة العوائد ودعم الاقتصاد الوطني. وفي هذا السياق، جاء تطوير الإطار التشريعي لمؤسسة البترول الكويتية خلال عام 2026 ليؤكد حرص الدولة على مواكبة المتغيرات المتسارعة في الصناعة النفطية العالمية، وتعظيم الإيرادات النفطية، وتعزيز قدرة المؤسسة على العمل بأسس تجارية أكثر مرونة وكفاءة، مع المحافظة على الدور السيادي للدولة في إدارة ثروتها النفطية. كما أن إعادة ترتيب بعض الهياكل والكيانات النفطية، يعكس توجهاً نحو رفع الكفاءة والاستفادة المثلى من الإمكانات والأصول والخبرات المتوافرة، بما يخدم أهداف القطاع ويعزز قدرته التنافسية. والأهم من ذلك أن الدولة لا تتعامل مع النفط باعتباره مورداً مالياً فقط، بل باعتباره منظومة متكاملة تتطلب الاستثمار المستمر في البنية التحتية والتكرير والصناعات التحويلية والتكنولوجيا والموارد البشرية.
كما تركز الاستراتيجيات النفطية على تحسين صناعة التكرير، ورفع التميز التشغيلي، وتلبية الطلب المحلي والعالمي على المنتجات النفطية ذات الجودة العالية، مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص. ومن هنا يمكن القول إن النتائج المالية الإيجابية التي حققتها مؤسسة البترول الكويتية تمثل شهادة نجاح للسياسة النفطية الكويتية، وتؤكد قدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة حتى في أصعب الظروف. فالكويت، عبر التخطيط السليم والقرارات المدروسة والاستثمار في تطوير القطاع النفطي، تواصل حماية مصالحها الاقتصادية وتعزيز إيراداتها وبناء قاعدة أكثر صلابة لمستقبلها.
وفي ظل التوترات التي شهدتها منطقة الخليج مؤخراً، تكتسب هذه الإنجازات أهمية إضافية، لأنها تؤكد أن الكويت قادرة على مواصلة العمل والإنتاج والتطوير، مع المحافظة على استقرار اقتصادها ومصالحها الوطنية. إنها سياسة ناجحة تستحق الدعم والاستمرار، لأنها تجمع بين حسن إدارة الموارد، والمرونة في مواجهة الأزمات، والنظرة المستقبلية التي تضع أمن الطاقة وتعظيم العائد الاقتصادي في مقدمة الأولويات. الله الحافظ، والله ولي التوفيق.
** **
- كاتب كويتي