«الجزيرة» - وائل العتيبي:
لم تعد تربية الصقور في المملكة محصورة في اقتناء الطائر وتدريبه وممارسة الصقارة؛ إذ تتسع المنظومة لتشمل نشاطًا أكثر تخصصًا يرتبط بإكثار الصقور في الأسر، والمحافظة على سلالاتها، وتنظيم تربيتها وتداولها وفق أطر نظامية وبيئية واضحة.
وفي هذا السياق، نظم المركز الوطني للصقور، ضمن فعاليات المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور 2026، ورشة بعنوان «آلية التراخيص لمراكز إكثار الصقور داخل المملكة»، بالتعاون مع المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، بهدف تعريف الصقارين والمستثمرين والمهتمين بالمتطلبات النظامية لإنشاء مراكز إكثار الصقور وتشغيلها، والإجراءات المرتبطة بالحصول على التراخيص.
تكتسب الورشة أهميتها من التحول الذي يشهده قطاع الصقور في المملكة؛ إذ لم تعد تربية الصقور تقتصر على الاقتناء والتدريب، بل اتسعت لتشمل الإكثار في الأسر بوصفه نشاطًا متخصصًا يخضع للتنظيم والرقابة، بما يحقق التوازن بين المحافظة على الحياة الفطرية وتطوير قطاع إنتاجي يرتبط بموروث الصقارة.
وبالنسبة إلى القارئ غير المتخصص، فإن مركز إكثار الصقور ليس مجرد مزرعة لتربية الطيور، بل منشأة مخصصة للتكاثر المنظم للصقور في الأسر، وفق متطلبات تتعلق بالمنشأة والكائنات الفطرية التي تتعامل معها. ولذلك فإن ممارسة الإكثار تحت الأسر تخضع للترخيص والضوابط النظامية ذات الصلة.
يختلف ترخيص الإكثار عن مجرد اقتناء الصقر؛ فالاقتناء يتعلق بامتلاك الكائن الفطري وفق الضوابط المنظمة، بينما يستهدف ترخيص مركز الإكثار ممارسة التكاثر والإنتاج داخل منشأة مخصصة لهذا الغرض.
كما تخضع أنشطة أخرى، مثل النقل والتجارة والاستيراد والتصدير والإطلاق، لمتطلبات وتراخيص بحسب طبيعة النشاط والكائن الفطري المعني.
وتتجاوز أهمية الإكثار الجانب التجاري؛ إذ يمكن للإنتاج المنظم في الأسر أن يسهم في المحافظة على السلالات، وتوفير صقور مولودة في الأسر، وتطوير المعرفة المتخصصة في التكاثر والرعاية والتغذية والصحة، إلى جانب الإسهام في الحد من الضغوط على الصقور البرية.
على المستوى الاقتصادي، يفتح تنظيم مراكز الإكثار المجال أمام قيام قطاع متخصص تتكامل فيه عمليات الإنتاج مع الرعاية البيطرية والتدريب والمزادات والخدمات المرتبطة بالصقارة، فيما توفر المنصات المتخصصة، وفي مقدمتها المزاد الدولي لمزارع إنتاج الصقور، مساحة تجمع المنتجين والصقارين والمشترين من داخل المملكة وخارجها.
تكشف هذه المنظومة عن تحول أوسع في التعامل مع الصقور؛ من ممارسة ارتبطت طويلًا بالتراث والهواية، إلى قطاع يجمع الثقافة والاقتصاد والحماية البيئية والتنظيم المؤسسي.
فالترخيص هنا لا يمثل إجراءً إداريًا فحسب، بل أداة لضمان أن يتم إنتاج الصقور وتداولها وفق مصادر وممارسات مسؤولة ومتطلبات نظامية واضحة.
ومن هذه الزاوية، تصبح مراكز الإكثار إحدى الحلقات المهمة في مستقبل الصقارة السعودية؛ فهي تصل حفظ الموروث بتقنيات الإنتاج الحديثة، وحماية السلالات بفرص الاستثمار، بما يعزز حضور المملكة في قطاع الصقور محليًا ودوليًا، ويمنح هذا الموروث العريق مسارًا أكثر استدامة.
في المحصلة، فإن ترخيص مركز إكثار الصقور يعني الانتقال من «امتلاك الصقر» إلى «إنتاج الصقر» ضمن نشاط مؤسسي منظم؛ وهي خطوة تعكس اتساع منظومة الصقور في المملكة، وتداخل أبعادها الثقافية والبيئية والاقتصادية، بما يجعل من الإكثار أحد المسارات الحديثة لحماية هذا الموروث واستدامة حضوره.