د. عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
إن المرض، في هذه التجربة، لم يصبح صديقًا لنا، ولا ينبغي تمجيد المرض أو تزيينه، لكنه أصبح مُعَلِّمًا قاسيًا. عَلَّمنا أن الصحة ليست أمرًا عابرًا يمكن ضمانه إلى الأبد، وأن الوقت أكثر قيمة مما نتصور، وأن بعض الأشياء التي كنا نعدها ضرورية ليست ضرورية، وأن بعض الأشياء التي أهملناها كانت في الحقيقة جوهرية. المرض لا يمنح الحكمة تلقائيًا، لكنه قد يفتح بابًا واسعًا أمام الإنسان لكي يعيد النظر في نفسه وحياته.
لقد أدركنا أيضًا أن الناس كثيرًا ما يؤجلون العطاء بحجة انتظار الظروف المناسبة. يقول الإنسان: عندما أتفرَّغ سأكتب، وعندما تتحسَّن ظروفي سأعمل، وعندما تستقر حياتي سأبدأ مشروعي. لكن الحياة نادرًا ما تمنحنا الاستقرار الكامل. ولذلك فإن انتظار الكمال قد يكون أحد أكثر أشكال التأجيل خداعًا. إن الحكمة ليست في انتظار حياة بلا عوائق، وإنما في تعلم كيف نعمل داخل الحياة كما هي.
وهذا يقودنا إلى فلسفة المسؤولية. الإنسان الذي يمتلك معرفة أو خبرة لا يملكها وحده؛ لأن المعرفة، في جوهرها، مسؤولية اجتماعية. الأستاذ لا يملك علمه لنفسه فقط، والمؤرخ لا يكتب للماضي وحده، والباحث لا ينتج المعرفة ليضعها في درج مغلق. كل معرفة يمكن أن تصبح خدمة للآخرين إذا أُحسن توظيفها. ولذلك فإن استمرار العطاء العلمي في زمن المرض ليس مجرد رغبة شخصية، وإنما تعبير عن الإيمان بأن العِلم رسالة.
إن المعرفة ليست امتلاكًا فرديًا بالمعنى الضيق، وإنما هي أمانة تنتقل من جيل إلى جيل. ولذلك فإن العَالِم أو الأستاذ أو المؤرِّخ لا يقيس قيمة حياته بعدد الكتب التي ألَّفها أو السنوات التي قضاها في المؤسسات الأكاديمية فقط، وإنما بما إذا كان قد أسهم في توسيع المجال الذي يستطيع الآخرون أن يفكروا داخله. إن أعظم وظيفة للمعرفة ليست أن تزيد صاحبها معرفة، وإنما أن تزيد العَالَم من حوله قدرة على الفهم. ومن هنا فإن استمرار العطاء العلمي في مواجهة المرض يكتسب بعدًا يتجاوز الإرادة الشخصية؛ فهو محاولة للمحافظة على سلسلة انتقال المعرفة من الماضي إلى الحاضر ومن الحاضر إلى المستقبل. وما يكتبه الباحث اليوم قد يصبح مادة لباحث آخر بعد عقود، وما يشرحه الأستاذ لطالب قد يتحول بعد سنوات إلى بحث أو كتاب أو قرار أو موقف أو مشروع. وبذلك يصبح العِلم أحد أشكال الاستمرارية الإنسانية التي تجعل الفرد المحدود زمنيًا قادرًا على المشاركة في زمن أطول من عمره.
ومن هنا فإن مشروع الكتابة والتوثيق ليس تحديًا للمرض بقدر ما هو انتصار على الفراغ. فالإنسان حين يكتب لا يقول للمرض (لن أموت)، وإنما يقول له بصورة أعمق: (لن أجعل وجودي يمر بلا أثر). وهذه هي النقطة الفلسفية الأكثر عمقًا: لا يستطيع الإنسان أن يمنع الفناء، لكنه يستطيع أن يقاوم العدمية. لا يستطيع أن يوقف الزمن، لكنه يستطيع أن يضع في الزمن أثرًا يستمر بعده.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلَّمه الإنسان من المحن هو ألا ينتظر الاعتراف الخارجي بقيمته. فالمرض قد يقلِّل من قدرة الإنسان على الحركة، لكنه لا ينبغي أن يقلل من احترامه لذاته. والقيمة الحقيقية لا تأتي دائمًا من تصفيق الآخرين، وإنما من معرفة الإنسان بأنه أدى ما استطاع من واجبه. ولذلك فإن العمل في صمت، والكتابة في هدوء، وخدمة الناس دون انتظار مقابل، كلها أشكال راقية من الحرية الداخلية.
إن الحرية الداخلية هي أن يظل الإنسان قادرًا على اختيار موقفه رغم القيود التي لا يستطيع إلغاءها. قد لا نختار المرض، ولا توقيته، ولا كل تفاصيله، لكننا نستطيع أن نختار ألا نحوله إلى نهاية لكل شيء. نستطيع أن نقول: سأتعامل معه بما أستطيع، وسأطلب العلم والعلاج، وسأستريح عندما أحتاج، وسأعمل عندما أقدر، وسأكتب عندما تسمح لي طاقتي، وسأظل إنسانًا كاملًا لا مجرد حالة مرضية.
وهنا نصل إلى جوهر فلسفة المقاومة: فالمقاومة ليست أن تنتصر في كل معركة، وإنما أن ترفض أن تجعل الهزيمة المحتملة سببًا لعدم خوض المعركة أصلًا. قد نعرف أن النهاية محتومة، ولكن: متى تكون؟ وكيف تكون؟ وكم من الأثر يمكن أن نصنع قبلها؟ إننا لا نملك إجابات يقينية عن هذه الأسئلة، لكننا نملك اللحظة التي نعيشها، والإرادة التي نواجه بها ما تبقى، والقدرة على أن نحول ما بقي من الوقت إلى معرفة، والعطاء إلى أثر، والحياة إلى معنى. ولذلك، فإن معرفتنا المسبقة بحتمية النهاية لا ينبغي أن تقتل الإرادة، بل قد تكون سببًا في مضاعفة قيمة كل لحظة، وفي أن نجعل من الزمن المتبقي مساحة للمقاومة والعطاء وصناعة الأثر.
إننا نريد أن نقاوم، لا لأننا نجهل حقيقة الفناء، وإنما لأننا نعرفها. نريد أن نكتب، لا لأننا نعتقد أن الكتابة ستمنحنا الخلود الجسدي، وإنما لأننا نؤمن بأن الكلمة الصادقة قد تعيش أكثر من صاحبها. نريد أن نُعَلِّم، لا لأننا سنظل إلى الأبد، وإنما لأن المعرفة التي ننقلها قد تستمر في عقول الآخرين. نريد أن نعطي، لأن العطاء هو أحد أجمل أشكال الانتصار على أنانية الزمن.
غير أن هذا البحث عن المعنى لا ينبغي أن ينتهي عند حدود الإنسان وقدرته الذاتية؛ فالإنسان، مهما بلغ وعيه، يظل كائنًا محدودًا، ومهما اتسعت قدرته على الفهم فإنه لا يحيط بكل شيء. ومن هنا يأتي الإيمان ليمنح التجربة الإنسانية أفقًا يتجاوز حدود الجسد والزمن. ففي التصور الإسلامي لا تُفهم الحياة باعتبارها وجودًا بيولوجيًا ينتهي بالموت فحسب، وإنما باعتبارها مرحلة من مسار أوسع للوجود والمسؤولية والابتلاء والعمل. ولذلك لا يكون المرض مجرد خلل في الجسد، ولا يكون الموت مجرد إغلاق نهائي للمعنى؛ بل تصبح قيمة الإنسان مرتبطة بما يؤديه من واجب، وما يقدمه من خير، وكيف يصبر ويعمل ويأخذ بالأسباب دون أن يَدَّعي امتلاك النتائج. وهنا تتكامل فلسفة المقاومة مع فلسفة التسليم: نقاوم فيما نستطيع، ونُسَلِّم فيما لا نستطيع؛ نطلب العلاج، ونبذل السبب، ونحافظ على الأمل، ثم نرد الأمر كله إلى الله. وهذه ليست ثنائية متناقضة، وإنما هي صورة من أرقى صور التوازن بين الإرادة الإنسانية والإقرار بحدودها.
وفي هذا كله يظل الإيمان بالله سبحانه وتعالى هو الأفق الأعلى الذي يمنح الإنسان توازنًا لا توفره الفلسفات المادية وحدها. فالإيمان لا يعني إنكار المرض، ولا إهمال العلاج، ولا ادّعاء القوة المطلقة، وإنما يعني أن الإنسان يعمل بالأسباب ويعرف في الوقت نفسه أن الأمر كله لله. نحن نأخذ بأسباب الطب، ونحترم قوانين الجسد، ونصغي إلى أهل الاختصاص، ونبذل ما نستطيع، ثم نترك ما لا نستطيع لله تعالى، مع اليقين بأن الإنسان مهما امتلك من أسباب يظل عبدًا محدود القدرة.
ولذلك فإن دعاءنا اليوم ليس فقط: (اللَّهم اشفنا)، وإن كان الشفاء أعظم ما نرجو، وإنما نقول أيضًا: اللَّهم أعنا على أن نحسن استخدام ما بقي لنا من العمر والطاقة والعِلم، وأن تجعل ما بقي من أيامنا خيرًا مما مضى، وأن تجعل عِلمنا نافعًا، وكتابتنا صادقة، وأثرنا طيبًا، وعملنا خالصًا، وأن تمنحنا القوة لنؤدي رسالتنا ما استطعنا. فربما لا يستطيع الإنسان أن يختار طول الطريق، لكنه يستطيع أن يختار ماذا يفعل بما تبقى منه.
لقد علمنا المرض أن الحياة ليست في عدد السنوات وحدها، وإنما في كثافة المعنى داخل هذه السنوات. وقد تكون سنوات قليلة مليئة بالعطاء أعظم من عقود طويلة مرت بلا أثر. ولذلك لن نقيس ما تبقى لنا بما فقدناه، بل بما نستطيع أن نصنعه. لن ننظر إلى الصفحة التي أغلقت، وإنما إلى الصفحات التي ما زالت مفتوحة. لن ننشغل فقط بما أخذه المرض، بل بما أبقاه الله لنا من عقل وعلم وتجربة وإرادة وذاكرة وقدرة على النفع. سنعمل ما استطعنا، ونكتب ما استطعنا، ونُعَلِّم ما استطعنا، ونترك للزمن أن يحمل ما كتبناه إلى من يأتي بعدنا.
وفي النهاية، لا نريد أن تكون حكايتنا حكاية رجل حارب المرض فقط؛ فهذا أقل من المعنى الذي نبحث عنه. نريدها حكاية إنسان واجه هشاشة الجسد فاكتشف صلابة الروح، وواجه محدودية الزمن فاكتشف قيمة الأثر، وواجه احتمال النهاية فاختار أن يجعل ما بقي من الطريق أكثر امتلاءً بالعِلم والمعرفة والعطاء. نعم، سيأتي يوم ينتصر فيه الفناء على الجسد، وهذه سنة الله في خلقه، ولن نطلب المستحيل؛ لكننا لن نمنح الفناء انتصارًا سهلًا على المعنى. سنقاوم ما استطعنا، وسنستمر ما استطعنا، وسنكتب ونُعَلِّم ونوثق وننحت في صخر الزمن ما بقيت فينا قدرة على ذلك. فالمرض قد يأخذ من الإنسان شيئًا من جسده، لكنه لا يستطيع أن يأخذ رسالته إلا إذا سمح الإنسان له بذلك؛ والزمن قد يأخذ العمر، لكنه لا يستطيع أن يمحو الأثر الذي زُرع في عقول الناس وذاكرتهم وكتبهم وحياتهم. وما دام في الإنسان نفس يتردد، وعقل يفكر، وقلب ينبض، وكلمة تستطيع أن تصل إلى إنسان آخر، فثمة دائمًا مساحة للمقاومة، وثمة دائمًا إمكانية للعطاء، وثمة دائمًا معنى يستحق أن يُعاش. اللَّهم أَعِنَّا على هذا الحمل الثقيل، وأمددنا بالصبر والقوة والحكمة، واشفنا وعافنا، واجعل ما بقي من حياتنا عِلمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وأثرًا طيبًا، واجعل خاتمتنا خيرًا، ولا تجعل المرض يحجب عنا جمال الحياة، ولا يجعلنا ننسى أن أجمل ما في الإنسان ليس أنه لا يفنى، وإنما أنه يستطيع، قبل فنائه، أن يترك في هذا العالم شيئًا يستحق أن يبقى.
دمتم بخير وعافية، ودامت الحياة، فيما بقي منها، جميلةً عابرةً، ودام فينا ذلك العناد النبيل الذي يدفعنا إلى مقاومة الانكسار، وتحويل الألم إلى معرفة، والوقت إلى أثر، والحياة إلى رسالة، وما بقي من العمر إلى معنى يستحق أن يُعاش ويُترك أثره.
** **
- أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية والتاريخ