صالح الشادي
ما أجمل أن تمتلك بلدنا هذه الثروة الطبيعية الفريدة من مصايف جبلية تعانق السحاب، حيث الهواء العليل والمناظر الخلابة. الطائف، الباحة، عسير.. كلها وجهات تزهو بتفاصيلها الساحرة، وتستقبل الزوار من داخل المملكة وخارجها بأذرع مفتوحة. لكن مع هذا الإقبال المتزايد، تبرز مشكلة باتت تطارد المصطافين في كل موسم، ألا وهي الازدحام المروري الخانق.
طوابير السيارات الممتدة على الطرق الجبلية الضيقة، والعجزة والأطفال يصارعون عناء الصعود والهبوط في زحام لا يُحتمل، والبحث المضني عن موقف للسيارة قد يستغرق ساعات. في الشفا بالطائف مثلاً، أصبح الزوار يحسبون وقت الذهاب والعودة بدقة، ويواجهون صعوبة بالغة في إيجاد موقف، الأمر الذي يحوّل رحلة المتعة إلى اختبار للصبر والأعصاب. هذه المشكلة ليست جديدة، لكنها تتفاقم عاماً بعد عام مع تزايد أعداد الزوار، ومع أن الدولة أطلقت مشاريع رائدة في هذه المناطق، إلا أن أزمة النقل والمواقف تبقى العقبة الأكبر في طريق تحويل هذه الوجهات إلى منتجعات سياحية متكاملة على مدار العام.
إن الحل يكمن في دراسة هندسية وتنظيمية طموحة تعيد تشكيل تجربة التنقل في هذه المناطق الجبلية. فبدلاً من الطرق ثنائية الاتجاه التي تختنق في أوقات الذروة، يمكن تصميم شبكة طرق مفردة الاتجاه مع جزر وسطية للدوران كل مسافة محددة، وهو تصميم أثبت نجاحه عالمياً في زيادة انسيابية الحركة وتقليل نقاط الالتقاء الخطرة. كما يمكن إنشاء مواقف سيارات ضخمة عند مداخل المدن الجبلية، مزوَّدة بكافة الخدمات الترفيهية والتجارية، لتتحول إلى محطات استراحة متكاملة، ومن هناك تنطلق حافلات كهربائية صديقة للبيئة تنقل الزوار إلى السفوح والمزارات والمطاعم، مع حافلات أخرى مخصصة للسياحة والاستكشاف. ولا تغيب عن بالنا الحلول الذكية كأنظمة إدارة مرور تعتمد على التكنولوجيا لرصد الكثافات وتوجيه السيارات إلى مسارات بديلة، وإشارات مرور متكيفة مع حجم الحركة.
قد يظن البعض أن هذه المشاريع موسمية الجدوى، لكن الحقيقة أن المواسم لا تنتهي والزوار لن ينقطعوا، فالمصايف الجبلية في السعودية ليست وجهة صيفية فقط، بل يمكن أن تكون ملاذاً على مدار العام بفضل تنوع مناخها وطبيعتها. وهنا يأتي دور القطاع الخاص والبلديات، إذ يمكن طرح هذه المشاريع كفرص استثمارية مجدية اقتصادياً، سواء من خلال عقود تشغيل أو شراكات مع القطاع الخاص، وهو توجه بدأت بوادره تظهر من خلال مشاريع سياحية وفندقية واعدة تشهدها المنطقة، مما يعكس ثقة المستثمرين في مستقبل هذه القطاع.
إلى جانب ذلك، يبقى جانب الإقامة محورياً في تحسين التجربة السياحية، فمع محدودية أماكن السكن وارتفاع تكاليفها أحياناً، يصبح من الضروري فتح المجال للاستثمار الفندقي العالمي في وحدات سكنية مخصصة للإيجار الطويل بأسعار تنافسية، وهذا من شأنه أن يجذب شريحة أوسع من المصطافين، ويسهم في استدامة الحركة السياحية على مدار العام، خاصة أن الزوار من داخل الوطن وخارجه في تزايد مستمر، ما يجعل هذه الصناعة رافداً اقتصادياً مهماً لا يمكن تجاهله.
لقد بدأت بعض الجهات المحلية، كأمانة الطائف، بالفعل في تنفيذ مشاريع تطويرية شملت تحسين الطرق وإنشاء مسارات للمشاة وتوفير مواقف للمركبات، وهي خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها تظل غير كافية أمام حجم التدفق السياحي المتزايد. ولا شك أن ملف تطوير البنية التحتية للنقل في المناطق السياحية يقع على عاتق عدة جهات، من وزارة السياحة ووزارة النقل إلى البلديات، لكن الحل الأمثل يكمن في التنسيق المشترك بين هذه الجهات، مع إشراك القطاع الخاص والخبراء المتخصصين في التخطيط العمراني والمروري، بحيث تتحول هذه المشاريع من مجرد حلول مؤقتة إلى إستراتيجية دائمة تواكب النمو المتوقع.
الفكرة التي أطرحها ليست دعوة لمشاريع عابرة، بل رؤية إستراتيجية لتحويل مصايفنا الجبلية إلى وجهات سياحية عالمية المستوى، حيث تختفي طوابير السيارات، وتتضاءل معاناة البحث عن موقف، وتصبح رحلة المصطاف متعة من البداية إلى النهاية. بلدنا جميلة وعامرة بالتفاصيل، ولن نجد أجمل من جبالها ووديانها مكاناً للاستجمام، لكن علينا أن نجعل الوصول إليها أسهل، والاستمتاع بها أجمل، وهذا يبدأ بفكرة جريئة تتحول إلى خطة عمل، ثم إلى واقع نلمسه كل صيف وشتاء، فتبقى هذه المناطق كما هي دوماً: وجهة تلهج بها القلوب، وتتعلَّ ق بها الأنفس.