أحمد آدم
لم تعد الانتخابات الأمريكية مجرد ساحة لتغيير الوجوه في الكونغرس، بل تحولت إلى مواجهة استراتيجية غير مسبوقة بين «المال السياسي التقليدي» و«القوة التصويتية المرجحة».
يشهد المشهد السياسي في الولايات المتحدة تحولاً بنيوياً جلياً؛ حيث أثبتت المحطات الانتخابية الأخيرة وكان آخرها الفوز التاريخي للسياسية التقدمية عائشة وهاب في كاليفورنيا وصعود أسماء بحجم د. عبد الرحمن السيد في ميشيغان أن ضخ عشرات الملايين من الدولارات عبر اللوبي الداعم لإسرائيل (إيباك) لم يعد كافياً لحسم المعارك أو إسقاط الأصوات المناهضة للحرب والمتطلعة لسياسة خارجية أكثر توازناً.
بين صعود جيل جديد ينحدر من الملاجئ والتحديات الاجتماعية، وتشكل تكتل انتخابي عربي ومسلم يعتمد على قواعد شعبية وتحالفات عريضة، تتكشف آليات «اللوبي البديل» الذي يعيد رسم الخريطة السياسية في واشنطن من الأسفل إلى الأعلى.
أولاً: زلزال جديد يضرب لوبي «إيباك»
فازت السياسية الديمقراطية عائشة وهاب بالانتخابات لتصبح أول أمريكية من أصل أفغاني ومسلمة تُنتخب لعضوية الكونغرس الأمريكي. جاء هذا الفوز التاريخي في أغسطس 2026 خلال الانتخابات التكميلية الخاصة لشغل مقعد الدائرة الـ14 في ولاية كاليفورنيا بمجلس النواب. وشكّل فوزها ضربة قوية ومفاجئة للّوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة (إيباك).
1 - تفاصيل الانتخابات والمواجهة مع اللوبي الإسرائيلي
ضخت لجنة العمل السياسي «مشروع الديمقراطية المتحدة» التابعة لمنظمة إيباك مبالغ ضخمة تجاوزت 6 ملايين دولار في حملات إعلانية هجومية وسلبية ضد عائشة وهاب، بالإضافة إلى تمويل منافستها الديمقراطية المعتدلة «ميليسا هيرنانديز» بملايين الدولارات لدعمها. وعلى الرغم من الضخ المالي الضخم ضدها، فازت وهاب بنسبة 53 % من الأصوات مقابل 47 % لمنافستها.
مواقفها تجاه إسرائيل: تُعرف عائشة وهاب بأنها من الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، ولها مواقف علنية حادة ضد السياسات الإسرائيلية؛ حيث وصفت العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بأنها «إبادة جماعية»، كما طالبت بإنهاء المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل.
أهمية الفوز: هذا الفوز يُعدّ صدمة للأوساط الداعمة لإسرائيل لأنه أثبت مجدداً فشل المال السياسي والضغط الذي يمارسه لوبي «إيباك» في إسقاط المرشحين التقدميين والمجاهرين بانتصارهم للقضية الفلسطينية.
2 - سيرتها الذاتية
تتمتع عائشة وهاب بقصة حياة ملهمة ومليئة بالتحديات الصعبة، حيث تحولت من طفلة في نظام الرعاية البديلة (الملاجئ والأسر البديلة) إلى نائبة في الكونغرس الأمريكي.
أ - المولد والنشأة: وُلدت عائشة وهاب في مدينة نيويورك عام 1987، وتنحدر من عائلة أفغانية؛ حيث فرّ والداها من أفغانستان كلاجئين خلال فترة الغزو السوفيتي في الثمانينيات.
ب - مأساة عائلية وفترة الطفولة: عانت عائشة من طفولة قاسية جداً؛ إذ قُتل والدها البيولوجي في جريمة غامضة بنيويورك بعد وصولهم إلى أمريكا بفترة وجيزة، ولم تُحل قضية مقتله حتى الآن. بعد ذلك بوقت قصير، توفيت والدتها وهي لا تزال في سن الخامسة. نظام الرعاية والتبني: نُقلت عائشة وشقيقتها الكبرى إلى نظام الرعاية البديلة وتنقلتا بين عدة أسر. وعندما بلغت التاسعة من عمرها، تبنتها عائلة أمريكية من أصل أفغاني تعيش في منطقة فريمونت بولاية كاليفورنيا، وهي العائلة التي قامت تربيتها وغرست فيها قيم العمل الجاد.
جـ - الأزمة المالية: في عام 2011 (تبعات الأزمة الاقتصادية العالمية)، واجهت عائلتها بالتبني ظروفاً صعبة، وفقدوا منزلهم وعملهم التجاري بسبب الحجز العقاري، واضطروا للانتقال والعيش بالإيجار في مدينة «هايوارد»، وهو ما شكّل وعيها السياسي لاحقاً للدفاع عن حقوق المستأجرين والفقراء.
د - التعليم والمؤهلات الأكاديمية: تُعتبر عائشة وهاب سياسية أكاديمية بامتياز، وتحمل لقب «دكتورة»
هـ - المسيرة المهنية والسياسية: قبل دخولها لمعترك السياسة عملت كمستشارة في مجال تكنولوجيا المعلومات ومديرة لتطوير الأعمال في عدة شركات ناشئة بمنطقة خليج سان فرانسيسكو.
التميز الفريد لعائشة وهاب يكمن تميزها في كونها أول أمريكية من أصل أفغاني تُنتخب لعضوية الكونغرس الأمريكي عبر التاريخ.
3 - أول المسلمات في الكونغرس (أول غيث تاريخي عام 2018)
دخلت أول سيدتين مسلمتين إلى الكونغرس الأمريكي معاً في انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، وهما:
أ - إلهان عمر: ديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، وهي لاجئة سابقة من أصل صومالي، وتعتبر أيضاً أول امرأة محجبة تدخل الكونغرس.
ب - رشيدة طليب: ديمقراطية عن ولاية ميشيغان، وهي أول امرأة من أصل فلسطيني تُنتخب للكونغرس.
4 - أول المسلمين الرجال في الكونغرس (تاريخياً)
أ - كيث إليسون: هو أول مسلم يدخل الكونغرس الأمريكي على الإطلاق، حيث انتُخب نائباً عن ولاية مينيسوتا عام 2006 (واشتهر بأداء القسم على نسخة تاريخية من القرآن الكريم كانت يملكها الرئيس الأمريكي الأسبق توماس جيفرسون).
ب - أندريه كارسون: ثاني مسلم يُنتخب للكونغرس، وفاز بمقعده عن ولاية إنديانا عام 2008.
بالتالي، تنضم عائشة وهاب (التي كانت قد حققت سابقاً لقب أول امرأة مسلمة في مجلس شيوخ ولاية كاليفورنيا عام 2022)، إلى الكتلة التقدمية المسلمة المتنامية داخل الكونغرس الفيدرالي.
ثانياً: طوفان مسلم وعربي مؤثر
تشهد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية في نوفمبر 2026 الحالي مشاركة قياسية وغير مسبوقة للمرشحين العرب والمسلمين، حيث نجح عدد كبير منهم في تجاوز الانتخابات التمهيدية والوصول إلى القوائم النهائية. وتخوض هذه الأسماء مواجهات محتدمة، ويواجه العديد منهم حملات شرسة وممولة بملايين الدولارات من اللوبي الداعم لإسرائيل (إيباك) بسبب مواقفهم الرافضة للحرب على غزة.
1 - أبرز المرشحين العرب والمسلمين في انتخابات نوفمبر 2026
أ - مرشحو مجلس الشيوخ الأمريكي (أهم معركة تاريخية):
د. عبد الرحمن السيد: مرشح ديمقراطي عن ولاية ميشيغان. هو طبيب وأكاديمي مرموق من أصول مصرية. حقق مفاجأة مدوية في أغسطس الجاري بفوزه بالانتخابات التمهيدية بعد تجاوزه هجوماً إعلانياً من اللوبي المؤيد لإسرائيل كلف أكثر من 50 مليون دولار. إذا فاز في نوفمبر، سيكون أول سيناتور مسلم وعربي في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي.
ب - نواب حاليون يدافعون عن مقاعدهم في مجلس النواب:
رشيدة طليب: نائبة ديمقراطية عن ولاية ميشيغان، وهي من أصول فلسطينية وأبرز الوجوه المدافعة عن القضية الفلسطينية في الكونغرس.
إلهان عمر: نائبة ديمقراطية عن ولاية مينيسوتا، من أصول صومالية، وتخوض معركة قوية للحفاظ على مقعدها.
أندريه كارسون: نائب ديمقراطي مسلم عن ولاية إنديانا.
عائشة وهاب: من أصول أفغانية عن ولاية كاليفورنيا، وتخوض جولة الإعادة النهائية لتأمين المقعد لولاية كاملة.
جـ - وجوه جديدة صاعدة لمجلس النواب الفيدرالي:
عمار كامبا نجار: مرشح ديمقراطي من أصول فلسطينية ومكسيكية، ينافس بقوة على مقعد دائرته في سان دييغو بولاية كاليفورنيا.
د. آدم حماوي: طبيب جراح أمريكي من أصول سورية ومصرية، ينافس على مقعد في مجلس النواب عن ولاية نيوجيرسي (وهو طبيب عسكري سابق ومشهور بعملياته الإنسانية في قطاع غزة).
لطيفة سيمون: مرشحة مسلمة تقدمية بارزة تخوض الانتخابات في ولاية كاليفورنيا.
تعتبر هذه الدورة الانتخابية حاسمة جداً، حيث يسعى المجتمع العربي والمسلم في أمريكا لترجمة غضبه من السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط إلى «قوة تصويتية» قادرة على تغيير موازين القوى في واشنطن.
2 - تأثيرات فوز المسلمين والعرب بالانتخابات القادمة
فوز هذه المجموعة من المرشحين العرب والمسلمين في انتخابات نوفمبر القادم سيحمل تأثيرات استراتيجية وعميقة على المشهد السياسي الأمريكي الداخلي والخارجي:
أ - إعادة تشكيل السياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط: لسنوات طويلة، كانت الرواية المؤيدة لإسرائيل تهيمن بالكامل على الكونغرس. دخول أصوات مثل د. عبد الرحمن السيد إلى مجلس الشيوخ، وتثبيت أقدام رشيدة طليب وعائشة وهاب، سيعني ارتفاعاً ملحوظاً في حدة الأصوات الناقدة للمساعدات العسكرية غير المشروطة لإسرائيل. مأسسة الدفاع عن حقوق الفلسطينيين: لن تعود القضية الفلسطينية مجرد شعارات في التظاهرات، بل ستتحول إلى مشاريع قوانين، وتعديلات على ميزانيات الدفاع، وجلسات استماع علنية تُحرج الإدارة الأمريكية وتجبرها على اتخاذ مواقف أكثر توازناً.
ب - إضعاف هيبة ونفوذ لوبي «إيباك»: إن نجاح هؤلاء المرشحين بالرغم من ضخ مئات الملايين من الدولارات لإسقاطهم (كما حدث في حملة الـ50 مليون دولار ضد عبد الرحمن السيد) سيكسر «أسطورة اللوبي الذي لا يُقهر». كما أن هذا الفوز سيمنح الشجاعة لسياسيين أمريكيين آخرين (غير عرب وغير مسلمين) لرفض إملاءات اللوبي الإسرائيلي، بعد أن يدركوا أن أموال «إيباك» لم تعد كافية لإسقاط المرشح الذي يمتلك قاعدة شعبية حقيقية.
جـ - تحول الصوت العربي والإسلامي إلى «كتلة تصويتية مرجحة»: تاريخياً، كان يُنظر للصوت العربي والمسلم في أمريكا على أنه تحصيل حاصل لصالح الحزب الديمقراطي. الفوز القادم سيثبت لقادة الحزبين أن الكتلة التصويتية المسلمة (خاصة في ولايات حاسمة مثل ميشيغان، وبنسيلفانيا، وجورجيا) قادرة على فرض شروطها، واشتراط دعمها بمدى التزام المرشحين بقضايا العدالة الاجتماعية والسياسة الخارجية العادلة.
د - إلهام جيل جديد وتغيير النظرة النمطية: وصول طبيب من أصل مصري إلى مجلس الشيوخ، أو شابة عانت من نظام الرعاية البديلة كعائشة وهاب إلى الكونغرس، سيكسر الصورة النمطية السلبية التي طالما روجت لها هوليوود والإعلام المحافظ عن العرب والمسلمين كـ«جاليات منعزلة» أو «تهديد أمني»، وسيعطي هذا الفوز حافزاً هائلاً للأجيال الشابة من الأقليات للانخراط في العمل السياسي وصناعة القرار من داخل مؤسسات الدولة الأمريكية.
هـ - تعزيز الأجندة التقدمية الداخلية: أغلب هؤلاء المرشحين ينتمون للجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي. لذلك، فإن فوزهم سيعزز القضايا الداخلية التي تمس حياة المواطن الأمريكي العادي، مثل (الرعاية الصحية الشاملة، وخفض ديون الطلاب، والدفاع عن حقوق العمال والمستأجرين) وهي قضايا تمنحهم شعبية جارفة تتجاوز حدود هويتهم الدينية أو العرقية.
ثالثاً: تدعيم المرشحين ومواجهة إيباك
يمكن للعرب والمسلمين تشكيل قوة ضغط (لوبي) سياسي قوية وفعالة في أمريكا، ولكن من الصعب والمستبعد أن تكون «نسخة مطابقة» للوبي إيباك، بل ستكون قوة تعتمد على استراتيجية مختلفة تماماً. والسبب في ذلك يعود إلى الاختلاف الجوهري في «مصدر القوة» ونوعية الأدوات المتاحة لكل طرف.
1 - لماذا يصعب تقليد «إيباك» بحذافيره؟
تعتمد منظمة «إيباك» بشكل أساسي على المال السياسي الضخم وشبكة من المانحين الأثرياء والشركات الكبرى التي تضخ مئات الملايين عبر لجان العمل السياسي (مثل مشروع الديمقراطية المتحدة) وتركز على قضية واحدة ومحددة جداً وعابرة للأحزاب (دعم إسرائيل بلا شروط)، بينما الجالية العربية والإسلامية تتسم بالتنوع الإثني، والسياسي، والثقافي، وتتوزع أولوياتها بين قضايا الشرق الأوسط، وقضايا الهجرة، والعدالة الاجتماعية الداخلية.
2 - كيف يتشكل «اللوبي البديل» للعرب والمسلمين حالياً؟
بدلاً من محاولة تقليد إيباك في ضخ ملايين الدولارات (وهو أمر صعب في المدى القصير)، بدأ العرب والمسلمون بالفعل في بناء «لوبي شعبي من القاعدة إلى القمة»، وأبرز أدواته:
أ - التكتل التصويتي: القوة الحقيقية للمسلمين والعرب في أمريكا ليست في جيوبهم، بل في أصواتهم. في ولايات حاسمة مثل ميشيغان، وبنسيلفانيا، وجورجيا، وأريزونا، يمكن لبضعة آلاف من الأصوات أن تحسم هوية الرئيس الأمريكي القادم أو تطيح بعضو كونغرس. هذا ما جرى استغلاله بذكاء في حركات مثل «غير ملتزم».
ب - التبرعات الصغيرة العنقودية: مرشحون مثل د. عبد الرحمن السيد أو رشيدة طليب لا يتلقون أموالاً من شركات كبرى، بل يعتمدون على مئات الآلاف من التبرعات الصغيرة (5 دولارات و10 دولارات) من مواطنين عاديين عبر منصات مثل (ActBlue)، وهذه الطريقة تجمع ملايين الدولارات وتمنح المرشح استقلالية كاملة.
جـ - التحالفات التقدمية: ينجح اللوبي الإسلامي والعربي عندما يتحالف مع أقليات أخرى (الأفارقة الأمريكيين، اللاتين، الحركات الشبابية البيضاء، واليهود التقدميين المناهضين للصهيونية). هذا التحالف العريض يخلق قوة انتخابية لا يمكن للمال السياسي كسرها بسهولة.
3 - المنظمات الحالية التي تمثل نواة هذا اللوبي
هناك بالفعل منظمات أمريكية مسلمة وعربية تؤدي دور اللوبي السياسي وتتطور بسرعة، مثل:
مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية: يركز على الحقوق المدنية ومواجهة الإسلاموفوبيا والضغط السياسي.
المعهد العربي الأمريكي: يركز على توجيه الصوت العربي وقياس الرأي العام.
Emgage Action : منظمة متخصصة في حشد الناخبين المسلمين ودعم المرشحين.
Justice Democrats : حركة تدعم المرشحين التقدميين (بمن فيهم العرب والمسلمون) ضد السياسيين التقليديين المدعومين من الشركات وإيباك.
العرب والمسلمون في أمريكا لا يحتاجون إلى «إيباك» خاصة بهم؛ بل هم بحاجة إلى مأسسة قوتهم الحالية: تسجيل كل مغترب في قوائم الانتخاب، والالتزام بالتصويت ككتلة واحدة، والاستمرار في دعم المرشحين بالتبرعات الصغيرة، والانخراط في الإعلام المحلي. عندما يدرك السياسي الأمريكي أن خسارة الصوت العربي تعني خسارته للمنصب، سيتشكل «اللوبي» تلقائياً دون الحاجة لمليارات الدولارات.
4 - دور رأس المال العربي في التدعيم
يمكن لرأس المال الخليجي (سواء الحكومي أو الخاص) أن يلعب دوراً محورياً وغير مباشر في تعزيز هذا النفوذ السياسي، ولكن بشرط أن يتم ذلك بذكاء شديد ووفقاً للقوانين الأمريكية الصارمة التي تحظر أي تدخل مالي أجنبي مباشر في الانتخابات. إذا تم توجيه الاستثمارات ورؤوس الأموال الخليجية نحو «القوة الناعمة» وبناء البنية التحتية للمجتمع العربي والمسلم في أمريكا، فإن التأثير سيكون هائلاً عبر المسارات التالية:
أ - الاستثمار في الإعلام وصناعة الرواية: النفوذ في أمريكا يُصنع عبر الشاشات والصحف. يمكن لرأس المال الخليجي الاستثمار في شراء أو تأسيس منصات إعلامية ناطقة بالإنجليزية داخل الولايات المتحدة (مواقع إخبارية، شركات إنتاج وثائقي، منصات بودكاست). هذه المنصات لا تحتاج لتقديم برعاية حكومية، بل تقدم إعلاماً أمريكياً مهنياً يطرح الرواية العربية والمسلمة بعدالة، مما يساهم في تغيير قناعات الناخب الأمريكي العادي، وهو ما يصب في النهاية لصالح المرشحين العرب والمسلمين.
ب - تمويل مراكز الفكر والأبحاث: واشنطن تُدار بالأفكار والدراسات التي تنتجها مراكز الفكر. يمكن لرأس المال الخليجي تأسيس وتمويل مراكز أبحاث كبرى في العاصمة الأمريكية، أو تمويل كراسي دراسات الشرق الأوسط والإسلام في الجامعات المرموقة (مثل هارفارد، ييل، وجورج تاون). وهذه المراكز تقوم بـ: (إعداد سياسات بديلة لصناع القرار في الكونغرس ــ تخريج خبراء ومحللين سياسيين يظهرون في القنوات الأمريكية الكبرى لتوجيه الرأي العام).
جـ - دعم التمكين الاقتصادي والمؤسسي للجالية: يمكن لرجال الأعمال والمؤسسات الخيرية الخليجية تقديم منح لبناء مراكز إسلامية ومجتمعية ضخمة، ومدارس، ومستشفيات في الولايات ذات الكثافة العربية والإسلامية (مثل ميشيغان وتكساس وكاليفورنيا). الأثر السياسي غير المباشر: عندما تصبح الجالية قوية اقتصادياً ومؤسسياً، تزداد قدرة أفرادها (وهم مواطنون أمريكيون) على التبرع للمرشحين السياسيين من جيوبهم الخاصة، والتفرغ للعمل التطوعي والحشد الانتخابي.
د - رعاية برامج إعداد القادة الشباب:أكبر عائق أمام الشباب العرب والمسلمين في أمريكا لدخول المعترك السياسي هو تكلفة المعيشة والتدريب غير المدفوع في الكونغرس. ويمكن لرأس المال الخليجي تمويل برامج زمالة ومنح دراسية (تُدار عبر منظمات أمريكية مستقلة) لتغطية تكاليف تدريب الآلاف من الطلاب المسلمين والعرب داخل أروقة الكونغرس، ومؤسسات صناعة القرار، والحملات الانتخابية. هذا يخلق «جيشاً» من الكوادر السياسية الجاهزة لإدارة المشهد مستقبلاً.
هـ - محاذير قانونية حاسمة (الخطوط الحمراء):القانون الفيدرالي الأمريكي عبر لجنة الانتخابات الفيدرالية (FEC) يفرض عقوبات جنائية صارمة على أي أموال تأتي من حكومات أو أفراد أجانب لدعم مرشحين سياسيين، لذلك لا يمكن لرأس المال الخليجي تمويل حملة «رشيدة طليب» أو «عبد الرحمن السيد» بشكل مباشر.
إن دور رأس المال الخليجي ليس ضخ الأموال في الصناديق الانتخابية مثل «إيباك»، بل هو تهيئة البيئة الحاضنة. المال الخليجي يمكنه بناء «المصنع» (الجامعات، الإعلام، مراكز الفكر، الكوادر الشابة)، بينما يتولى المواطنون الأمريكيون العرب والمسلمون تشغيل هذا المصنع لإنتاج نفوذ سياسي حقيقي ومستدام.
** **
- الخبير المصرفي والاقتصادي