فهد المطيويع
يبدو أن الإيطالي سيموني إنزاغي جاء إلى الهلال ليقدم لنا تعريفًا جديدًا للنجاح في كرة القدم: المهم ألا تخسر، أما الفوز فله حسابات أخرى! الهلال أنهى الدوري بلا هزيمة، وهذا إنجاز لا يمكن إنكاره، لكنه في المقابل دفع ثمن التعادلات غاليًا، حتى وجد نفسه في نهاية المطاف خارج المشهد الذي اعتاد أن يكون بطله. الهلال لم يخسر الدوري لأنه تعرض لسلسلة من الهزائم، بل لأن الفريق في عدد من المباريات التي كان يفترض أن يخرج منها بالنقاط الثلاث، اكتفى بنقطة واحدة. نقطة تبدو في ظاهرها أفضل من لا شيء، لكنها عندما تتكرر تصبح خصمًا حقيقيًا من رصيد المنافسة على اللقب.
في سباق الدوري لا يكفي ألا تخسر، والسؤال الأهم: كم مباراة كان يجب أن تفوز بها ولم تفز؟ هذه هي النقطة التي لا يمكن تجاوزها بشعار «الهلال لم يخسر». فالفرق الكبرى لا تقاس بعدد خسائرها فقط، وإنما بعدد الانتصارات التي تحققها في المباريات التي تكون فيها مطالبة بالفوز. والهلال تحديدًا ليس فريقًا يبحث عن المركز الثاني، ولا فريقًا يعتبر المحافظة على سجله بلا هزيمة هدفًا بحد ذاته. وعندما تكون الفوارق في القمة ضئيلة، فإن كل تعادل يتحول إلى كارثة، وكل نقطتين مهدرتين قد تكونان الفارق بين أن تحتفل بالدوري أو تشاهد غيرك يحتفل به.
وهنا لا أتحدث عن مباراة واحدة أو ظرف استثنائي، وإنما عن نمط تكرر، وعن مباريات كان الهلال فيها قادرًا على حسم الأمور، لكنه لم يفعل. والأغرب أن الفريق كان يملك كل الإمكانات التي تساعده على الفوز، بل أثبت في فترات كثيرة من الموسم أنه قادر على تقديم كرة هجومية قوية وتحقيق الانتصارات المتتالية. المشكلة أن الهلال في بعض المباريات كان يبدأ بصورة، ثم ينتهي بصورة أخرى. يتقدم، يسيطر، يسجل، ثم يتراجع أو يفقد تركيزه، فتتحول المباراة من ثلاث نقاط كانت في المتناول إلى نقطة واحدة، ومعها حسرة جمهور يرى فريقه يفقد هويته تدريجيًا. وهذه ليست مشكلة أرقام وحسابات فحسب، بل مشكلة إدارة مباراة. المدرب الكبير لا يقاس فقط بما يفعله عندما تسير المباراة كما يريد، وإنما بما يفعله عندما تتعقد الأمور، متى يغير؟ متى يغامر؟ متى يحافظ على تقدمه؟ ومتى يقتل المباراة قبل أن تعود إلى نقطة الصفر؟
هذه أسئلة مشروعة جدًا عندما يكون الحديث عن مدرب بحجم إنزاغي، وعن فريق بحجم الهلال. وبالطبع، سيكون هناك من يقول: لكن إنزاغي حقق كأس الملك وأنهى الدوري بلا خسارة، صحيح، والإنصاف يقتضي أن نقول ذلك بوضوح.
كأس الملك بطولة، وعدم الخسارة إنجاز، ولا يمكن تجاهلهما. لكن الإنصاف نفسه يفرض علينا أن نقول إن الهلال لم يتعاقد مع إنزاغي لكي يخرج علينا في نهاية الموسم بشهادة (لم نخسر). الهلال تعاقد معه من أجل البطولات. الدوري كان في المتناول ولكن كان لإنزاغي رأي آخر! وهذه هي الحقيقة التي لا تحتاج إلى محلّل ولا إلى فيلسوف كروي لشرحها، لهذا نقولها بحرقة: الهلال لم يخسر مباراة ولكن خسر الدوري! وهنا المفارقة التي تستحق أن نتوقف عندها. قد ينجح المدرب في حماية سجله من الهزيمة، وقد يحقق بطولة أخرى، لكن إذا كان المطلوب هو الدوري، فإن كل نقطة مهدرة تصبح جزءًا من القصة. وفي النهاية، لا أحد يسأل من كان أقل خسارة ولكن من رفع كأس الدوري؟ وهنا كانت الإجابة: ليس الهلال.
وهذا وحده يكفي لجعل جماهير الهلال حانقة على هذا المدرب الذي -في نظر كثير من الهلاليين- مسخ هلال الدوري وهلال آسيا وثاني أندية العالم! لذلك، وبعيدًا عن كل محاولات تجميل الصورة وتحويل التعادلات إلى إنجاز تكتيكي، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحًا أبدع الإيطالي بتعادلاته.. وطيَّر الدوري على الهلال!